
الجزء الرابع
صوت العربيات بره البيت بقى أقرب، وباب الحوش الخشب القديم اتهز من خبطة قوية كأن حد كان عايز يخلعه من مكانه.
شريف المحامي كان بيترعش وماسك تليفونه بإيدين بتترعش وهو بيحاول يبلغ البوليس، بينما عادل وقف قدام الباب بثبات غريب، كأن الـ 19 سنة اللي فاتوا من الضعف والحزن اتمسحوا في لحظة واحدة، وبقى قدامنا رجل تاني خالص… راجل جاهز يحارب عشان يعوض كل دمعة نزلت من عيون مراته وكل يوم قهر عاشه ابنه.
قبل ما الباب يقع، انفتح على إتراعه، ودخل شخص قصير وله نظرة حادة ومخيفة، ووراها تلاتة من البلطجية الضخام لابسين جلابيات. الشخص ده كان حازم المنشاوي، ابن عم عادل، اللي دخل بابتسامة صفراء مليانة شر.
قال حازم بصوت عالي ومليان سخرية:
— أهلاً وسهلاً بابن عمي الغالي! كنت مفكر إنك هتقعد في القاهرة لحد ما تموت وتنسى أصلك وورثك؟ جاي لحد هنا عشان تفكر تبيع البيت وتفتح دفاتر قديمة المفروض تراب الزمن ردم عليها؟!
عادل ما اتحركش من مكانه، وبصله بنظرة باردة وقوية خلت حازم يبلع ابتسامته ويرجع خطوة لورا.
قال عادل بصوت هادئ بس مرعب:
— الدفاتر القديمة دي هي اللي هتدخلك السجن يا حازم… إنت وأمك اللي ضيعتوا عمرنا عشان شوية طين وفلوس حرام. الوصية ظهرت، والتزوير كشفته الأوراق اللي في إيدي.
حازم اتغير لونه، وبص لشريف المحامي اللي كان واقف في الزاوية.
قبل ما البلطجية يتحركوا خطوة واحدة ناحية عادل أو المحامي، ظهر يوسف من ضهر أبوه، وعينيه كانت بتلمع بالنار، وقال بصوت هز حوائط البيت القديم:
— اللي فيكوا فيه خير، يخطو خطوة واحدة جوة البيت هنا! أنا مش هسمح لحد ياذي أبويا ولا أمي تاني!
أم فتحي كانت واقفة في جنب بتدعي ربنا بصوت عالي، ونادية ماسكة طرف جلابيتها وعيونها مليانة خوف على ابنها وجوزها، لكن في نفس الوقت كانت شايفة قدامها أسد وابنه بيحموا عقر دارهم.
في اللحظة دي، برة البيت على طريق الترعة ظهرت نور عربيات الشرطة الكثيرة وصوت الصفارات المرعب بدأ يقرب بسرعة البرق، ومعاه صوت مكبرات الصوت:
— الشرطة! كلنا مكاننا، محدش يتحرك!
حازم اتجمد في مكانه، وبص حواليه لقى تلات عربيات شرطة نزل منها ظباط مسلحين طوقوا البيت بالكامل في أقل من دقيقة.
رئيس المباحث دخل الحوش بعزم، وبص لحازم وهو ماسك الملف في إيده، وقال بصوت حاسم:
— حازم المنشاوي… إنت مطلوب القبض بتهمة تزوير أوراق رسمية، واستيلاء على أملاك الغير!
حازم اترفعت إيديه بالكلابشات وهو بيبص لعادل بغل وحقد، واتسحب بره البيت وهو بيتوعد بالانتقام.
عادل وقف مكانه بيتنفس بصعوبة، وبص لنادية اللي جريت عليه وحضنته وهي بتعيط بحرقة، ويوسف وقف جنبهم وعيونه مليانة دموع الفرح والانتصار بعد ما الكابوس انزاح للأبد.
لكن وسط الحضن ده، عادل بص لورقة الوصية اللي على الترابيزة، وحس إن لسه فيه خطوة واحدة أخيرة لازم يعملها عشان يرجع الحق لأصحابه وتقفل القصة دي للأبد…
الجزء الخامس والأخير
نور الشمس كان بيملا حوش البيت القديم، بيدخل من بين الحوائط الطينية ويطرد ظلمة 19 سنة فاتت. البوليس خد حازم، ورجعت السكينة للقرية، بس سكينة طاهرة ومرتاحة، مش سكون الخوف والكتمان.
عادل وقف قدام نادية ويوسف، ووسط الزحمة البسيطة اللي اتسرت من جيران أم فتحي اللي جم يباركوا ويطمنوا، مد إيده لنادية، وبنفس النظرة الدافية اللي حبها بيها أول يوم على ضفة الترعة، قال بصوت هادئ:
— الـ 19 سنة اللي ضاعوا ما حدش يقدر يرجعهم يا نادية… ولا الدموع اللي نزلت من عينك ومن عين يوسف هتعوضها كل فلوس الدنيا. بس اللي أقدر أعمله، إني أبدل الدبلة الرخيصة اللي وعدتك بيها زمان… بدبلة أطهر وأغلى، تدل إننا أخيراً رجعنا لبعض.
نادية ضحكت ضحكة صافية وسط دموعها، وحضنت إيده اللي كانت خشنة وشقبانة زمان، وقالت بصوت مليان رضا:
— الفلوس عمري ما طمعت فيها يا عادل… كل اللي كنت عايزه هو إنت، وربنا جابك لحد عندنا ومعاك ابنك اللي بقى راجل يفتخر بيه أي أب.
يوسف قرب منهم، وحط إيده على كتف أبوه وأمه، وقال بابتسامة واسعة:
— أنا عمري ما هنسا الشقى اللي عشته مع أمي، ولا هنسا إني تعبت عشان أبني نفسي… بس خلاص، العيلة اتلمت، والبيت ده مش هيتباع يا بابا. البيت ده هيفضل شاهد على قصتنا، وعلى رجوعك لينا.
بعد أيام قليلة، وبمساعدة شريف المحامي، استعاد عادل كل حقوقه وحق أبوه بالقانون، وتم توثيق الأرض والبيت باسم يوسف ونادية، بينما جزء كبير من أملاك حازم اتبرعوا بيه لمشروعات خيرية في القرية باسم الحاجة زينب، عل وعسى ربنا يغفر لها خطيئتها الأخيرة.
عادل قرر يسيب زحمة القاهرة وقصورها الكبيرة، وقرر يقضي النص الوقت في البيت القديم جنب نادية ويوسف، يزرعوا الأرض مع بعض، ويشربوا الشاي على الترابيزة الخشب قدام الفرن البلدي.
وفي ليلة هادية، وهم قاعدين قدام النار البسيطة، بص عادل للسماء الصافية، وحس إن قلبه أخيراً لقى الميناء اللي كان بيدور عليه طول عمره… ومحدش فيهم حس إن الحكاية خلصت، بالعكس، دي كانت مجرد البداية الحقيقية لحياتهم اللي استنوها 19 سنة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




