
— هانم دي… تبقا بنت ابنك المرحوم!
الكلمة نزلت على دماغي زي شُقّة صاعقة. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والحيطان بتقرب تطبق عليّ. مسكت طرف الترابيزة وأنا بصرخ بصوت مكتوم:
— أنت بتقول إيه؟! بنت مين؟! ابني مات وهو عازب، ولا اتجوز ولا خلف! أنا ربيته بدم قلبي بعد ما أبوه مات، وكان كل دنيتي! ابني مات وهو شاب عندو تسعتاشر سنة في حادثة، عمره ما حب ولا اتجوز، إنت بتخرف بتقول إيه؟!
الراجل هز راسه بسرعة، ومد إيده بالصور والمستندات وقال بلهفة:
— اهدي يا حاجة، أرجوكِ اهدي واسمعي للاخر. ابني… ابنكِ ممتش زي ما أنتي كنتِ فاكرة في حادثة تانية، أو بمعني أصح… الحادثة اللي حصلت من تلت سنين، واللي اتقالكم فيها إن ابنك ومراته ماتوا وانقطعت أخباركم، دي ما كانتش حادثة عادية. دي كانت “مدبرة”!
— مدبرة إزاي؟! ابني ومراته اتخبطوا في طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، والعربية اتقطعت تلت حتت! أنا شوفت الجثث بنفسي!
— ما أنتي شوفتي جثة ابنك الحقيقي… بس مراته مكنتش مراته الحقيقية، ولا الطفلة اللي معاكي دي تبقا حفيدتك بالمعنى البيولوجي، أو يمكن… هي حفيدة ابنك بطريقة تانية خالص!
فضلت باصة له وعقلي هيقف من كتر اللخبطة. يعني إيه الكلام ده؟ الطفلة مش حفيدتي؟ بس دي في حضني من وهي رضيعة! دي ريحة ابني!
كمل الراجل كلامه وهو بيفتح ورق رسمي، ورقة شهادة ميلاد وبلاغات شرطة قديمة:
— من سبع سنين، ابني الحقيقي… الشاب الطيب اللي ربيتيه واشتغل دراع يمين في شركات مراد السويدي… اتعرف على بنت مراد السويدي الوحيدة، “لبنى”. اتجوزوا في السر خوفًا من أبوها اللي كان رافض الجوازة دي رفض تام، لأن لبنى كانت وارثة إمبراطورية أبوها كلها، والكل كان بيطمع فيها.
بعد ما اتجوزوا بشهرين، حصلت الحادثة المدبرة. مراد السويدي حاول يتخلص من جوز بنته عشان يفضل مسيطر على أملاكه، وفي الليلة دي، لبنى كانت حامل في الشهر التاني. ابني اتوفى في الحادثة، ولبنى هربت وهي حامل، واختفت عن أَنْظَار أبوها تمامًا، ولجأت لكِ أنتي يا حاجة… لأنها كانت عارفة إنك ست طيبة وأمينة، وراحت لكِ في البيت ده، وقالت لكِ إنها بنت مكسورة مالهاش أهل، وإنتِ استقبلتيها وعاملتيها زي بنتك، وربيتي بنتها لما اتولدت وماتت لبنى بعدها بيومين من التعب والقهر!
سكت الراجل، وسبني في بحر من الصدمات.
يعني الست اللي ربيتها بدموعي، واللي كنت فاكراها بنت ابني وبس… دي تبقا حفيدة الملياردير مراد السويدي؟! وحفيدة ابن الغالي، وفي نفس الوقت… بنت الشخص اللي كان سبب في موت ابني؟!
قبل ما ألحق أستوعب حرف واحد، باب الأوضة اتفتح ببطء، وطلعت الطفلة الصغيرة وهي ماسكة لعبتها، وبصت للراجل وبصت لي وقالت بصوت بريء:
— تيته… مين الراجل ده؟ وليه بيبكي؟
الراجل أول ما شافها، وقف على حيله، ودموعه نزلت على خدوده، ووقع على ركبتيه قدام الطفلة وقال بصوت متهدج:
— أخيرًا لقيتك يا أميرة… أخيرًا لقيت حفيدة سيدي مراد السويدي الوحيدة، والوارثة الشرعية لكل أملاكه! جُدك مات امبارح بالليل، وقبل ما يموت، كتب كل حاجة باسمك، بس اشترط شرط واحد… إننا نلاقيكم قبل ما “عمه الشرير” يوصلكم ويصفيكم كلكم!
قبل ما أرد، سمعنا صوت فرامل سيارات مرعبة برة البيت، وعربيات سودا كتيرة جداً وقفت قدام الباب، وصوت دبدبة رجلين مالية الشارع كله!



