منوعات

حكايات رشا 1

حماتي حاولت تستعيد هيبتها المزعومة، ورفعت راسها وقالت بصوت مألوف فيه نبرة التعالي القديمة:

“اتلمي يا سارة.. عيب تتكلمي مع جوزك وأمه بالطريقة دي! إحنا بنحتويكي، والشقة دي ملك لأحمد أصلاً، يعني مش غريبة عنه، هي أخته أولى بيها من الكتمة والقفلة!”

بصيت لأحمد اللي كان واقف زي المسمار، عيونه في الأرض، خايفة تنطق بكلمة حق. قلبي وجعني ثانية واحدة على سنين الجواز، بس الوجع ده اتحول فوراً لبركان غضب أعمى.

قلت بصوت مهزوز من كتر الغضب بس ثابت:

“ملك أحمد؟! الشقة دي أنا اشتريتها ودفعتا تمنها بالقرش الواحد من شغلي وتعب سنيني، قبل ما أعرف شكل عيلتكم أصلاً! العقد باسمي أنا، ومكتوب بدم قلبي.. وجوزك الهوان ده عارف كويس قوي الكلام ده.”

سبتهم واقفين في نص الصالة، وخرجت بخطوات سريعة وقفلت الباب ورايا برزعّة هزت الحيطة. نزلت السلم كأن في نار بتمشي في عروقي. ركبت عربيتي، وقعدت ورا الدريكسيون، أخدت نفس عميق وطلعت تابلت الشغل وموبايلي التاني.

أنا مش رايحة الشهر العقاري بس.

أنا رايحة لمكتب المحامي بتاعي، صاحب خبرة عشر سنين في قضايا العقارات والتزوير.

الساعة كانت حوالي الصبح، والدنيا دوبها بتبدأ تصحى. وصلت مكتب المستشار “طارق”، وكان لسه فاتح بابه. دخلت عليه بمنظر شعري المنسدل وملابسي اللي كنت مسافرة بيها، وشكلي اللي يوضح إني في معركة حقيقية.

شافني بالمنظر ده، قام وقف بقلق:

“أستاذة سارة؟! خير يا بنتي؟ شكلك مش طبيعي خالص، في إيه؟!”

حكيت له كل كلمة، من أول ما فتحت باب الشقة ولقيت مي قاعدة، لحد عقد البيع المزور، وتحويل الـ100 ألف فجرًا وأنا في الطيارة، ورقم المعاملة اللي صورته من على الختم.

المستشار طارق سمع وهو بيكتب بخط سريع في ورقة قدامه، وملامحه بتتحول للجدية والصرامة. أول ما خلصت كلامي، سكت دقيقة كاملة، وبعدين قال:

“بصي يا سارة.. اللي عملوه ده مش مجرد سرقة ولا نصب عادي، دي جريمة متكاملة الأركان: تزوير محررات رسمية، واستعمال محرر مزور، وانتحال صفة قدام موظف عام في الشهر العقاري.”

سألته وعيني بتلمع بغضب:

“يعني إيه يا مستشار؟ نقدر نعمل إيه؟”

ابتسم بمهارة وقال:

“أولاً، إحنا مش هنروح الشهر العقاري العادي اللي مكتوب رقمه على العقد.. إحنا هنامن نفسنا بمحضر إثبات حالة في أقرب قسم شرطة فوراً، نثبت فيه إنك كنتي مسافرة وموبايلاتك وجهات اتصالك وحسابك البنكي اتعرضوا للاختراق أو الاستغلال في وقت غيابك، وإنك فوجئتِ بوجود أخت جوزك جوه شقتك.”

“ثانياً، هنقدم طلب عاجل للنيابة العامة للاستعلام عن رقم المعاملة اللي في الشهر العقاري، وهناك الكاميرات هتكشف مين الشخص اللي دخل ووقع باسمك وبصم بصمتك.”

سألته بتردد:

“تفتكر مين اللي وقع وبصم بدلي؟ مي؟ ولا حماتي؟”

طارق رد بهدوء مرعب:

“ممكن واحدة منهم تكون اتعمدت تلبس نقاب وتدخل باسمك لو الموظف مغمض، وممكن كمان.. جوزك يكون ليه يد مباشرة في تسهيل الموضوع من ورا ضهرك.”

الجملة نزلت على ودني زي الصاعقة. أحمد؟! للدرجادي وصل بيه الجشع والخפיّة إنه يبيعني عشان رضا أمه وأخته؟

عملنا المحضر، وتحركنا رسميًا. النيابة العامة اتحركت بسرعة، خصوصاً إن المستشار طارق قدم المستندات والأدلة اللي بتثبت حركة السفر ووصول التحويل البنكي فجرًا وأنا في الجو، وطبعًا استحالة أي بشر يكون في مكانين في نفس الوقت.

بعد تلات أيام من التوتر والضغط العصبي اللي ما يتصفش، وفي نص الليل، تليفوني رن.

رقم المستشار طارق.

رديت بسرعة وقلت:

“ألو يا مستشار، في إيه؟”

صوته كان جاد وفيه نبرة انتصار هادية:

“جهزي نفسك يا سارة.. النيابة طلبت استدعاء فوري لأحمد زوجك، ووالدته، وأخته مي، ومعاهم موظف الشهر العقاري اللي وثق العقد.”

“بجد؟!”

“بجد.. والسر كله اتكشف في كاميرات المراقبة الخاصة بالشهر العقاري. البصمة والتوقيع اتعملوا فعلاً بطريقة شيطانية، بس الكاميرات جابت الست والدته وهي مدخلة واحدة قريبة لهم شبهك تماماً، لابسة نقاب، ومعاها بطاقتك الشخصية اللي سرقوها من درج دولابك وأنتِ بتجهزي شنطة السفر!”

حسيت بدمي بيغلي. دول ما اكتفوش بطردي، دول دبروا كل خطوة وكأنهم بيخططوا لجريمة قتل!

قلت بحسم:

“أنا نازلة حالا على القسم والمحكمة.. مفيش رجوع، ومفيش تنازل، حتى لو مين كلمني.”

الصبح بدري، دخلت مبنى النيابة العامة. كان الجو مشحون جداً. أول ما دخلت من الممر، لقيت أحمد قاعد على كرسي في الصالة، ووشه أصفر وباهت، وحماتي قاعدة جنبه بتعيط وتلطم، وأخته مي واقفة تعض في ضوافرها من الخوف.

أول ما أحمد شافني، قام جري ناحيتي، ومد إيده وقال بصوت منكسر:

“سارة.. أرجوكِ اسمعيني.. والله ما كان قصدي.. أمي ضغطت عليا، قالت لي الشقة دي هتبقى لعيلتنا ومش هتروح لبعيد، ومي محتاجة تستقر.. أنا كنت غبي وضعيف، بس متخربيش بيتنا عشان ورقة!”

بصيت له برفعة حاجب، وبكل برود الدنيا قلت بصوت سمعه كل اللي في الصالة:

“بيت مين اللي أتخرب يا أحمد؟ أنت اللي هدمته برجليك عشان خاطر أمك وأختك. أنت بعت مراتك اللي شالتك ووقفت معاك، عشان خاطر حتة شقة مش بتاعتك أساساً.”

في اللحظة دي، خرج أمين الشرطة من مكتب وكيل النيابة ونادى بصوت عالي:

“سارة أحمد.. والمتهمين أحمد، ووالدته، ومي.. اتفضلوا للدخلة.”

دخلنا كلنا. وكيل النيابة كان قاعد قدامه الملفات والكاميرات والتقارير الفنية. بص لنا نظرة طويلة، وبعدين وجه كلامه لأحمد ووالدته وقال بلهجة حادة:

“التهمة ثابتة بالأدلة القاطعة.. تزوير محررات رسمية، نصب، وسرقة مستندات شخصية. التوقيع مزور، والبصمة مطابقة لشخصية تانية دخلت ببطاقتك يا مدام.. والدليل تسجيلات الكاميرات.”

حماتي انهارت تماماً وقعدت تصوت:

“يا فندم دي مرات ابني! بيتنا كلنا! مش غريبة!”

وكيل النيابة رد بصوت رنان:

“مراته أو أخته، القانون مفيش فيه الكلام ده. السرقة والتزوير جريمة جنائية، والشقة ملك خالص ليها.”

بصيت لوكيل النيابة وقلت بصوت هادئ وقاطع:

“سيادة النيابة.. أنا مش هتنازل عن حقي.. وعايز أثبت حالة التعدي واقتحام الشقة وسرقة محتوياتي.”

أحمد بص لي نظرة أخيرة كلها رجاء وندم متأخر، بس كان أوان الندم فات خلاص.

صدر القرار فوراً بحبس الثلاثة على ذمة التحقيقات بتهمة التزوير والنصب، وتشميع الشقة لحين انتهاء القضية ورجوعها لحيازتي الكاملة.

خرجت من مكتب النيابة، وهوا الشارع خبط في وشي. حسيت إن تمن السنين اللي فاتت والتعب والشقا رجعوا لي في ثانية. الشقة مش مجرد جدران خرسانية بالنسبة لي، دي كانت رمز كرامتي وعرقي.

طلعت تليفوني، فتحت تطبيق الخرائط، وبصيت قدامي وأنا ببتسم لأول مرة بجد.

المعركة خلصت، وكتبت فيها الفصل الأول من حياتي الجديدة.. حياة مفيهاش مكان للضعف ولا للناس اللي تبيعك وأنت مفكرهم سندك.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى