
كلام الجارة نزل عليّ كالصاعقة. أمي مكنتش بتموت بس من المرض، دي كانت من القهر عليا، ومن إحساسها إنها سبب في
جريت على السرير ورفعت المخدة بسرعة، وفعلاً لقيت الورقة ومظروف مقفول مكتوب عليه بخط أمي المهتز الضعيف: «إلى بنتي وقرة عيني وضلي الوحيد في الدنيا.. ابنتي التي ما رأت منها إلا كل برّ وحب».
فتحت الظرف وأنا إيدي بتترعش، ولقيت جواها عقد ملكية البيت الصغير بتاع أمي، ومعاه ورقة تانية مكتوب فيها بخط إيدها: «يا بنتي، سامحيني إني كنت همّ عليكِ، وسامحيني إني اضطريت أمشي وأنا سايباكي في النار دي. البيت ده ليكي وحدك، ابيعيه واشتري بيه راحتك، أو اعتبريها حصنتك بيه من عذابهم، وماتسمحيش لحد يدوس لك على طرف بعدي. أنا راضية عنك ليوم الدين، وربنا هو اللي هيجازيكي عن كل دمعة نزلت من عيونك عشاني».
مقدرتش أتحمل، وصرخت صرخة طلعت من أعماق روحي، ووقعت جنب سرير أمي مغشي عليّ.
مرت أيام الدفنة والعزا في كابوس طويل مظلم. مكانش فيه جنبنا غير الجعانين بالخير وأهل الحارة الجدعان اللي وقفوا معايا، لأن جوزي وبنات حماتي ملهمش أي أصل ولا وفى بواجب واجبات الموت. جوزي ظهر معايا ساعة الدفنة بملامح باردة، وبعدها رجعني البيت وكأن شيئًا لم يكن، ولا كأن إنسانة غالية عليا اتفقدت بسبب جبروته هو وأمه.
أول ما دخلت بيت جوزي، لقيت حماتي قاعدة في الصالة، وبمجرد ما شوفتها، حسيت بنار بتولع في صدري. النار دي مكنتش مجرد حزن على أمي، دي كانت غضب هائل، قوة جديدة اتولدت جوايا من صدمة الفقد وظلم السنين.
حماتي بصت لي وقالت بكل برود وسخرية: «أهو العزا خلص، ورجعتي لبيتك ولمسؤولياتك. اطلعي غيري هدومك دي، وانزلي اطبخي الغداء، وحضري الشاي، وتاني مرة متغبيش كل الغياب ده عشان جنازة، ما هي ماتت وراحت للي خلقها، والعالم بيعيش ويموت».
الكلمة نزلت عليّ زي السيف. حسيت إن كل قطرة دم في جسمي بتغلي.
بصيت لها بثبات أول مرة أعمله في حياتي، ورفعت راسي اللي كانت دايمًا منكسرة قدامها، وقولت بصوت هادئ لكن فيه صلابة الجبال: «أمي ماتت، بس سابتني وراها مش خاضعة ولا ذليلة زي ما كنتي متخيلة. وأنا مبقيتش الست اللي بتخاف من تهديد بطلاق ولا من جبروت».
حماتي اتجننت، وقفت وقالت بصوت عالي: «أنتِ بتقولي إيه يا قليلة الأدب؟! شكلك نسيتي نفسك بعد ما أمك ماتت! يا محمود يا ابني.. الحق مرتك بتطاول عليّ وعلى أمك! طلقها فورًا وخليني أشوف هتروح فين!»
محمود جه جاري من الأوضة التانية، وقال بعصبية ووجه محمر: «إنتِ جنيتي ولا إيه؟! بتكلمي أمي كده ليه؟ اعتذري لها حالًا، وإلا والله العظيم هكتب عليكي دلوقتي وأرميكي في الشارع زي الكلاب!»
بصيت له بابتسامة سخرية مريرة، وطلعت من شنطتي مظروف ورقة أمي، ورفعتها قدام عينيه ومسكت عقد البيت، وقولت بكل ثقة: «ارمني في الشارع؟ تطلقني؟ تفتكر يا محمود إني لسه محتاجة ذذلك أو ذل أمك؟ أمي قبل ما تموت سابت لي البيت وكل ما تملك، وباعت لي حتة الأرض القديمة في المحافظة التانية.. أنا معايا فلوس ومعايا بيت ملكي، ومعايا كرامة صحيت من الموت يوم ما أمي اتوفت».
محمود وحماتي اتسمروا مكانهم من الصدمة. عيونهم اتفتحت على الآخر، ووشوشهم اصفرّت. حماتي جريت تمسك الورقة من إيدي، فبعدت عنها بقوة وقولت لها: «إياكي تلمسيني، وإياكي تقولي لي كلمة بعد النهارده. أنا كنت بخدمك بأصل وإنسانية، وكنت باخد بالي منك كأنك أمي، بس إنتِ ما استاهلتيش غير الجبروت والظلم».
محمود بدأ يتغير لونه، وبص لي بطمع خبيث، وقال بصوت فيه مكر وتلوّن: «يا حبيبتي.. اهدي بس، إحنا أهل ومصاروة، وأمك دي على راسنا من فوق، ده أنا كنت ببهزر معاكي بس عشان أعصابك.. يعني للدرجة دي هتهوني عليّ وعلى بيتي؟ تعالي اقعدي جنبي ونتفاهم بالراحة.. البيت والفلوس دي مش بتاعتنا، بس إنتِ مراتي اللي بموت فيها».
ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة قهر ووجع وسخرية، وقبل ما يرد بكلمة، كملت كلامي بثبات وقوة: «البيت والفلوس مش بتاعتكم فعلًا.. ولا حتى أنا بقيت بتاعتكم. ورقة طلاقي هتوصلني وأنا في بيتي، بيت أمي اللي مفيهوش لا أنت ولا أمك ولا قرفكم».
قبل ما يقدر ينطق أو يلحقني، لمّيت هدومي القليلة في شنطة، ومشيت من البيت بخطوات واسعة وثابتة، وسمعته هو وأمه بيزعقوا ورايا ويهددوا، بس لأول مرة من 18 سنة، مكنش عندي أي ذرة خوف.
رحت بيت أمي، فتحت بابه، ودخلت شميّت ريحتها في كل حتة فيه. قعدت على سريرها، وبكيت بدموع بتغسل قلبي، وقولت بصوت مسموع: «أنا جيت يا أمي.. جيت في بيتك ومعاكِ، ومش هسيبك أبدًا، ولا هسمح لمخلوق يكسرني بعد النهارده».




