عام

حكايات ندى الجمل 3

الجملة نزلت عليّ كالصاعقة. حسيت برعشة سرت في جسمي كله. صحيح هو ظلمني وكسرني زمان، بس الهوان اللي شافه والمرمطة اللي وصل لها والتوبة الصادقة اللي ظهرت في عينه خلال الفترة اللي فاتت، خلوا قلبي البشري ميهنش عليه يشوفه بيموت أو بيتعذب وهو ملوش حد.

قلت لأم فلان بصوت ثابت بس جواه قلق: «طبيعي.. طب يلا بينا بسرعة نروح نطمن عليه!»

سبت كل اللي في إيدي، ونزلت أجري معها لحد المستشفى. دخلت الطوارئ، ولقيت الدكتور واقف بره، جريت عليه وسألته بلهفة: «طمني يا دكتور، محمود أخباره إيه؟»

الدكتور بص لي باهتمام وقال: «هو في الأوضة جوه، الحادثة كانت قوية، وحصلت له كسور مضاعفة في رجليه وإصابات بالغة في دراعه، ومحتاج عملية جراحية ضرورية وعاجلة لتثبيت الكسور، ولو متعملتش في أسرع وقت، ممكن يحصل له عجز دائم في الحركة! والمصاريف مطلوبة فورا والمستشفى حكومي بس تكلفة المستلزمات الطبية والعملية كبيرة عليه لوحده.»

بصيت من زجاج الأوضة، ولقيته نايم على السرير، ووشه أصفر، ملوش حد في الدنيا دي يقف جنبه، لا أم ولا بناته اللي انشغلوا عنه وعن بيوتهم في أول خبطة.

غمضت عيني لحظة، وفتحتها على وصية أمي وضميري اللي مبيعرفش القسوة. لفيت وشي للدكتور، وقلت بصوت حاسم وقوي:

«ادخل جهزه للعمليات فورًا يا دكتور.. وكل مصاريف المستشفى والعملية على حسابي أنا!»

وقفت قدام غرفة العمليات في المستشفى، وأنا حاسة بضربات قلبي السريعة بتتردد في أذني كأنها طبول حرب. فضلنا أنا وجارتي “أم فلان” واقفين ساعات طويلة كأنها دهور، وكل دقيقة كانت بتعدي عليّ كنت بفتكر فيها كل شريط حياتي القديم؛ السنين اللي قضيتها في خدمة حماتي وبناتها، اللحظة اللي هددني فيها بالطلاق وأمي بتموت، ورقة الوصية اللي سابتها لي أمي، لحد اللحظة دي وهو نايم جوه مكسور ومالوش حد غيري.

بعد ساعات طويلة، فتح باب غرفة العمليات، وطلع الدكتور وابتسامة الإرهاق والتعب مرسومة على وجهه. جريت عليه بلهفة وسألته بصوت مهزوز:

«طمني يا دكتور.. العملية نجحت؟ محمود أخبارة إيه؟»

الدكتور تنفس الصعداء وقال بابتسامة طمأنينة:

«الحمد لله رب العالمين، العملية تمت بسلام وكملت على خير. الكسور كانت صعبة ومعقدة، بس قدرنا نثبت العظام، وهو دلوقتي في الغرفة العادية تحت الأثر المخدر، وهيبقى كويس بس محتاج راحة طويلة ومتابعة دقيقة في الفترة الجاية لحد ما يقدر يقف على رجليه تاني.»

نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة رضا وسلام داخلي. شكرت الدكتور بكل امتناني، وطلبت من أم فلان تروح ترتاح، ودخلت أنا لأوضة محمود أطمن عليه بنفسي.

لقيته نايم على السرير الأبيض، ووجهه باهت ومكسور، ورجليه ودرعاته متجبسين. قعدت على الكرسي جنبه بصمت، وبصيت له وهو بيتنفس بصعوبة. بعد شوية، فتح عينه ببطء شديد، وبص حواليه لحد ما وقعت عينه عليّ قاعدة جنبه.

عينه اتملت دموع، ومحاولش يخبيها. بص لي بصوت مكسور وناشف من التعب وقال:

«أنتِ.. أنتِ لسه هنا؟ بعد كل اللي عملته معاكي.. بعد ما هددتك ورميتك.. ليه عملتي كده؟ ليه دفعتي تكاليف العملية ووقفتي جنبي وأنا في عز ضعفي؟ أنا مكنتش أستاهل منك غير القسوة والكره.»

بصيت له بكل هدوء وثبات، وحطيت إيدي بهدوء على طرف السرير، وقولت له بنبرة صوت دافية ومليانة حكمة:

«يا محمود.. أنا مش عملت كده عشان بحن للماضي، ولا عشان أرجع لبيتك، ولا حتى عشان ضعيفة. أنا عملت كده عشان أمي الله يرحمها علمتني إن الأصول بتبان وقت الشدة، وإننا مش بنعامل الناس بحسب أفعالهم السيئة معانا، بل بحسب أصلنا وتربيتنا. ربنا نصرني، وكرامتي بقيت فوق كل شيء، والحمد لله بقيت قوية ومش محتاجة لحد، وعشان كده إنسانيتي بقت أكبر من أي جرح قديم.»

محمود نزل راسه على المخده، وفضل يعيط بصوت عالي، عياط ندم حقيقي وخالص من القلب، وقال وهو بيترجي:

«سامحيني.. والله العظيم سامحيني.. أنا عرفت متأخر أوي قيمة الست العظيمة اللي كانت في إيدي وفرطت فيها. أنا توبت لربنا، وعرفت إن الدنيا فانية ومافيش أحسن من صفاء النية وأصل الأصول.»

سكت، وابتسمت له ابتسامة صافية، وقولت:

«صفحة وانطوت يا محمود، وربنا يغفر لك ويشفيك. المهم دلوقتي تقوم بالسلامة وتبدأ حياتك بجد، وتبني نفسك من جديد بشرف وأمانة.»

مرت الأيام، ومحمود خرج من المستشفى، وقعد في الشقة البسيطة اللي في آخر الشارع، وبدأ يتعافى تدريجياً. مكنش بيطلب مني حاجة، بس كان دايماً بيعدي يلقي السلام باحترام وتقدير، وعينه دايماً بتدعي لي بالخير والستر.

أما أنا، فرجعت لبيتي، بيت أمي الطاهر، ولقيت حياتي بقت أكمل وأجمل بكتير. مشروعي كبر وبقى علامة للمنتجات البيتي الأصيلة، وصرت الست اللي ضربت بيها الأمثال في القوة والصبر والكرامة وأصل الأصول.

كل يوم كنت بشرب قهوتي الصبح، وأبص لصورة أمي على الحيطة وأقول بقلب مرتاح:

«ارتاحي يا أمي في جنتك.. بنتك حافظت على الوصية، وعاشت ملكة في بيتها، وعمرها ما نزلت راسها لغير رب العالمين.»

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى