
رفعت رأسي ناحية باب المكتب، وفي نفس اللحظة شفت حازم واقف عند الباب، وشه شاحب، وعينيه مليانة خوف.
بصيتله، ورفعت الصورة قدامه.
قلت بصوت هادي، أخطر من أي صراخ:
«اقفل الباب يا حازم… واقعد. المرة دي لن تنتهي جلستنا قبل أن تحكيلي كل اللي حصل في الليلة اللي بنتي اتولدت فيها.»
حازم قفل الباب ببطء، وقعد قدامي.
فضل ساكت شوية، وبعدها حط إيده في جيبه وطلع تليفون قديم.
حطه على المكتب، وبصلي في عيني.
«يا باشا، قبل ما أقولك الحقيقة، لازم تعرف إن مريم طلبت مني أحافظ على سرها. وأنا وعدتها.»
قلتله:
«وإنت هتفضل محافظ على السر حتى لو كان هيضيع بنتي مني؟»
هز رأسه بسرعة.
«لا. عشان كده أنا جيت.»
فتح التليفون، ودخل على تسجيل صوتي، وبعدها حطه بيني وبينه.
«اسمع يا باشا، وبعدها احكم عليا زي ما تحب.»
ضغط على زر التشغيل.
في البداية سمعت أصوات مستشفى، وخطوات سريعة، وبعدها صوت مريم، ضعيف ومتقطع من التعب:
«حازم… لو يوسف مردش، متخليش حد يكدب على بنتي لما تكبر.»
وبعدين صوت حازم، وهو بيحاول يطمنها:
«اهدي يا مدام مريم، أنا هفضل معاكي لحد ما تطمني على ليلى.»
وفجأة، ظهر صوت راجل تاني في الخلفية.
صوت أعرفه كويس.
صوت كنت بسمعه كل يوم تقريبًا.
صوت أخويا الكبير، محمود العدوي.
سمعته بيقول بوضوح:
«حازم، لازم نتكلم قبل ما يوسف يعرف اللي حصل.»
التسجيل وقف فجأة.
رفعت عيني لحازم، وحسيت إن كل حاجة حواليا بتنهار من جديد.
لأن أخويا محمود كان المفروض وقتها في سفر، وكان آخر شخص أتوقع إنه يعرف أي حاجة عن ولادة بنتي.
بصيت لحازم وقلت:
«محمود كان في المستشفى ليه؟»
حازم بلع ريقه، وبعدها رد:
«لأن يا باشا… اللي حصل في الليلة دي مكنش مجرد إنك اتأخرت عن ولادة بنتك. فيه قرار اتاخد باسمك، من غير علمك، ومريم اكتشفته بعد ما ولدت.»
حسيت إن الجسم اتجمد في عروقي.
«قرار إيه؟»
حازم بصلي، وبعدها قال الجملة اللي خلتني أقف من مكاني بغضب:
«أخوك محمود هو اللي وقّع على ورق خروج مريم من المستشفى، وهو اللي نقلها من المكان الأول… لكنه مش عمل كده عشان يساعدها تهرب منك. هو كان بيحاول يمنعها من إنها تعرف حقيقة تخص ليلى.»
وساعتها، قبل ما أقدر أسأله عن الحقيقة، تليفوني رن.
اسم المتصل ظهر على الشاشة:
محمود العدوي.
رديت، وقبل ما أنطق بكلمة، سمعت أخويا بيقول بصوت مرتعش:
«يوسف، مهما سمعت من حازم، أوعى تروح لمريم دلوقتي… لأن لو عرفت هي اكتشفت إيه عن ليلى، مش هتسامحني طول عمرها.»
وبعدين قفل الخط.
مسكت التليفون وأنا مش مصدق اللي سمعته، وبصيت لحازم اللي كان قاعد قدامي ووشه أصفر كأنه رأى شيئًا صادمًا.
أخويا محمود، اللي عشنا عمرنا في بيت واحد، واللي كنت بسيبله مفاتيح بيتي وشغلي من غير ما أفكر، بيتصل بيا ويقولي أوعى تروح لمريم، لأن فيه حقيقة عن بنتي لو عرفتها مش هسامحه طول عمري!
حطيت التليفون على ودني واتصلت بيه تاني، لكنه رفض المكالمة.
اتصلت مرة تالتة، والرابعة، لحد ما رد أخيرًا.
صرخت فيه:
«إنت فين يا محمود؟!»
رد بصوت متوتر:
«في البيت.»
«خليك مكانك. أنا جاي لك، وإياك تتحرك من مكانك قبل ما أوصل!»
قفلت الخط، وخدت التليفون القديم من حازم، وحطيته في جيبي.
وقبل ما أخرج، بصيت لحازم وقلتله:
«من اللحظة دي، مفيش أسرار تاني. هتحكيلي كل حاجة، من أول ما عرفت إن مريم حامل لحد النهارده.»
حازم قام من مكانه وقال:
«حاضر يا باشا، بس لازم تسمعني للآخر. أنا غلطت لما سكت، ومهما قلتلك مش هقدر أبرر سكوتي.»
قلتله:
«إنت هتحكي، وأنا هحكم على اللي حصل لما أعرف الحقيقة كاملة.»
خرجت من المكتب، وركبت العربية، وطول الطريق كانت جملة محمود بتتردد في دماغي.
إيه الحقيقة اللي ممكن تخلي مراتي متسامحنيش طول عمرها؟
وإيه علاقة أخويا بولادة بنتي؟
وليه مريم اختارت تخبي عني حاجة تخص ليلى؟
أنا كنت فاكر إن أسوأ حاجة عملتها إني سبت مراتي وهي بتولد، لكن واضح إن فيه مصيبة أكبر كانت بتحصل وأنا بعيد.
ولأول مرة، خفت من الحقيقة أكتر ما خفت من أي عدو قابلته في حياتي.
وصلت بيت محمود بعد أقل من نص ساعة.
دخلت من غير ما أستنى حد يفتحلي، ولقيته قاعد في الصالة، لابس هدوم البيت، وقدامه فنجان قهوة بارد.
أول ما شافني، قام من مكانه.
قال:
«يوسف، اقعد واسمعني.»
ضحكت بمرارة.
«أقعد؟! إنت بتقولي أقعد بعد ما أعرف إنك كنت في المستشفى يوم ولادة بنتي، ووقعت على ورق باسم عيلتي، وبعدها تتصل بيا وتحذرني إني متروحش لمراتي؟»
محمود مسح وشه بإيده، وقعد تاني.
«أنا موقعتش باسمك، ومش حاولت أضرك.»
قربت منه.
«أمال كنت بتعمل إيه؟»
سكت شوية، وبعدها قال:
«أنا كنت بحاول أحميك.»
وضعت إيدي على الترابيزة.
«تحميني من إيه؟ من بنتي؟ من مراتي؟ ولا من نفسي؟!»
رفع عينيه ليا، وكانت أول مرة أشوف فيهم خوف بالشكل ده.
قال:
«من قرار كنت ناوي تاخده وإنت مش واعي بعواقبه.»
اتجمدت مكاني.
«قرار إيه؟»
محمود أخد نفسًا طويلًا، وبدأ يحكي.
«قبل سفرك بحوالي أسبوعين، كنت عندك في المكتب، وسمعتك وإنت بتتكلم في التليفون مع واحد من المحامين. كنت بتقول إنك عايز تضمن إن كل أملاكك تفضل تحت إدارتك، وإنك مش عايز أي حد يدخل في قراراتك مهما حصل.»
قلتله بحدة:




