
قعدت على الكرسي وحطيت إيدي على رأسي وقلت بصوت واطي:
ـ كفاية يا أمي.. حرام عليكِ.. البنت كانت هتموت في الولادة وإنتي بتدوري إزاي تنزليها تكنس وتخدم! وأنا اللي سمعت كلامك ودمرت بيتي.
أمي صرخت وقالت:
ـ بتعلي صوتك عليا عشان الهانم؟ بقيت انا الوحشة اللي بخراب البيوت؟ طيب يا أحمد، يا أنا يا مراتك في البيت ده!
سيبت أمي بتزعق ودخلت أوضتي المقفولة، قعدت على السرير لوحدي، وبصيت حواليا لقيت الشقة هادية وموحشة، وابننا مش موجود، وريحة مريم اللي كانت مالية المكان اختفت. مسكت تليفوني وفضلت باصص على صورتها وهي نايمة وتعبانة، وحسيت إن الإيد اللي سكتت عشان أرضي أمي هي نفس الإيد اللي بتخنقني دلوقتي.
عدا تلات أيام، وكانوا أصعب تلات أيام في عمري. كنت بروح الشغل أرجع الاقي أمي قالبة البيت، وأطلع شقتي ألاقيها ضلمة ومخيفة. حاولت أكلم مريم كذا مرة، كانت بترد ببرود أو ما تردش خالص، وحماتي كانت بتقفل السكة في وشي وتقولي:
ـ مراتي مش فاضية لك، روح شوف أمك اللي هددتك بيها!
في اليوم الرابع، مكنتش قادر استحمل أكتر من كده. حسيت إن لو فضلت ساكت أكتر من يومين كمان، هخسر مريم للابد وهتطلق مني. قررت إني لازم أعمل خطوة جريئة مهما كانت عواقبها، ولازم أعرف أمي إن البيت ده بتاعي أنا ومراتي ومش متحكمات فيها.
لبست هدومي، ونزلت لقيت أمي قاعدة على الباب، وقالتلي بحِدّة:
ـ رايح فين على اللفظة دي؟ اوعى تكون رايح تجيبها وتكسر كلمتي!
بصيت لأمي بثبات أول مرة أعمله، وقلت بصوت عالي ومسموع:
ـ أيوه رايح أجيب مرتي وابني يا أمي.. مراتي مش مذنبة في حاجة، والسبوع اللي عجبكوا أو مجازلكوش هنعمله في بيت أهلها زي ما إنتي طلبتي، بس أنا بيتي هيرجع ينور تاني.
أمي لطمت على وشها وقالت:
ـ بقى كده يا أحمد؟ بتبيع أمك عشان حتة عيلة؟ ماشي.. لو خطيت الباب ده ورحتلهم، اعتبر إنك لا أمك ولا أمك تعرفك!
كلماتها نزلت زي السكاكين، بس وجع خسارة مريم كان أكبر بكتير. لفيت ضهري ونزلت من البيت وأنا ماشي في الشارع ورايح على بيت أهلها، وقلبي بيدق بجنون ومش عارف إيه اللي هيستناني هناك لما أفتح الباب وأقولها ارجعي معايا.
خطيت خطوتي وبرجلي الشمال، كنت حاسس إن قلبي متعلق في حبل بيتقطع ببطء. وصلت بيت أهلها، وقفت قدام الباب دقايق طويلة وأنا باخد نفسي بالعافية، خايف أفتح وألاقي في وشي الرفض أو نظرة القهر اللي كانت في عيون مريم يوم ما مشيت.
رفعت إيدي وخبطت خبطات خفيفة. ثواني والباب فتح، ظهرت حماتي، وبصتلي ببرود وقالت بصوت جاف:
ـ جاي تاني ليه يا أحمد؟ مش كفاية اللي عملته؟ البنت لسه جرحها ما نشفش، وجي تمد إيدك عليها بكسرة جديدة؟
نزلت عيني في الأرض وقلت بصوت مكسور:
ـ لو سمحتي يا أمي.. أنا جاي أتكلم مع مريم، وعايز أشوف ابني، أرجوكِ افتحيلي ودخليني.
حماتي بصتلي بحدة شوية، وبعدين وسعت الباب وقالت:
ـ ادخل، أديها جوه قاعدة لوحدها مع ابنها.. شوف هتقولها إيه.
دخلت الصالة، ومن هناك سمعت صوت صوتها وهي بتناغي ابنها بصوت هادي ومبحوح. قربت من باب الأوضة المفتوحة شوية، لقيتها قاعدة على السرير ووشها باهت وتعبان، وماسكة الصغير بحنان خايف. حسيت بغصة في حلقي وناديت بصوت واطي:
ـ مريم..
التفتت لي بسرعة، وملامحها اتحولت للجمود، وبصت بعيد عني وقالت ببرود قاتل:
ـ جاي ليه يا أحمد؟ راجع تاني ليه؟ مش أمك قالت لك يا أنا يا مراتك؟ سبتنا وقعدت هناك، جاي تشرفنا هنا ليه بقى؟
قربت منها خطوة وبطريقة توسل قلت:
ـ أنا آسف يا مريم.. حقك عليا، عارف إنّي غلطت وإني كنت ضعيف وما وقفتش جنبك ساعة ما كنتِ محتاجاني أكتر من أي وقت. أمي هددتني، وأنا اتصرفت بغباء، بس والله العظيم تلاتة ما عشت لحظة مرتاحة من يوم ما مشيتي. الشقة فوق ضلمة وموحشة ومن غيركم ولا تسوى قرش.
مريم نزلت دموعها بس مسحتها بغضب وقالت:
ـ ولما الشقة من غيرنا لا تسوى، سبتني ليه أمشي لوحدي وأنا في الحالة دي؟ ليه سمحت لأمك تهني وتطردني كأني غريبة؟ إنت مكسرتنيش أنا لوحدي يا أحمد.. إنت كسرت ثقتي فيك. كنت فاكراك سند وضهر، لقيتك أول ما الست الوالدة تغضب، بتبيعني في ثانية!
ـ مبيعتكيش والله ما مبيعتكيش!ـ قلتها وأنا بقعد على ركبتي قدام السرير وبمسك إيدها اللي كانت بتترعش، وكملت بدموع: ـ أنا جاي النهارده وعاصي أمي كلها. سيبتها وهي بتزعق وبتتوعد، وجاي أقولك إني هعملك السبوع في بيت أهلك زي ما طلبتي، ومرجعيش شقتي إلا لما إنتِ بنفسك ترضي، بس أرجوكِ.. متقسليش كده، وارجعي معايا، ابني وأمه مكانهم مش هنا، مكانهم في حضني فوق.
مريم بصتلي طويل، وعينيها كانت مليانة وجع السنين مش الأيام اللي فاتت بس، وقالت بصوت مكسور:
ـ السبوع مش فارق معايا يا أحمد.. أنا كان فارق معايا كرامتي ووجعي اللي إنت استخصرته فيا. بس عشان خاطر ابني اللي محتاج أب، وعشان أهلي اللي مش عايزين يخربوا بيتي.. أنا موافق أرجع، بس بشرط واحد.
قلت بسرعة ولهفة:
ـ شروطك كلها تنفيذ يا مريم، قولي طالما هترجعي!
ـ شطري الوحيد.. شقتنا فوق تبقى مقفولة علينا لوحدنا، وماليش دعوة بأمك ولا هي ليها دعوة بيا. لا هنزل أخدم تحت، ولا هسمح لحد يطلع يتدخل في حياتي ولا أكلتي ولا شربي. لو مش هتقدر تقف قدام أمك وتحميني، يبقى بلاش نرجع وتطلقني بهدوء، وأنا هربّي ابني مع أهلي!
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة. الطلاق؟ تقولي أطلقها بالسهولة دي؟ بس بصيت لابني النايم في حضنها، وبصيت لعيونها المليانة إصرار، وعرفت إنها لو مشيت الخطوة دي، مفيش رجعة تانية.
بلعت ريقي وقلت بصوت ثابت وصارم لأول مرة:
ـ موافق يا مريم.. موافق على كل شرط، وشقتنا هتكون مملكتنا لوحدنا ومحدش هيجرؤ يضايقك بكلمة تاني، وأمي أنا هتصرف معاها، بس المهم ترجعي معايا بيتك.
مريم سكتت ومردتش، وبصت لأمها اللي كانت واقفة على باب الأوضة متابعة الحوار بصمت. حماتي قربت وقالت بهدوء:
ـ على خير الله يا أحمد.. مرتك هترتب شنطتها، وروح جهز عربيتك، وإحنا هنظبط أمورنا ونيجي معاها كمان يومين نعمل السبوع هنا وسط أهلها زي ما طلبت أختك الكريمة!
قمت وأنا حاسس بثقل الدنيا على كتافي، بس في نفس الوقت حسيت إن في بارقة أمل لإنقاذ بيتي. ساعدتهم في تجهيز الشنطة، ورجعت بيت العيلة وأنا مستعد للحرب الكبيرة اللي مستنياني تحت مع أمي أول ما تحط عينها في عيني.




