
نزلت دموعي من الفرحة إني شوفت وش من ريحة الأيام القديمة الطيبة، قعدتها جنبي على الكنبة وقدمت لها العصير، وقعدنا ندردش. سألتها عن حالها وأخبار الشارع القديم، وهنا لقيت وشها انقبض وابتسامتها اختفت.
قالت لي بصوت مكسور:
* “أنا جايلك يا نبيلة وأنا مكسوفة، بس ماليش غير ربنا ثم إنتي في الدنيا دي.. بنتي الوحيدة قربت تتجوز، وإنتِ عارفة ظروفي على بقدها، وأبوها ميت من سنين، ومش قادرة أجهزها باللي تسترها قدام الناس.. تذكرت قلبك الطيب وجدعنتك، وجيت أطلب مساعدتك.. لو مش قادرة، اعتبريني مجيتش خالص.”
قبل ما تكمل كلامها، مسكت إيدها بحنان وابتسمت من قلبي، وقاتلها:
* “تقولي كده يا أم أمينة؟! ده إنتي كنتِ تقفي جنبي وقت ما مكنش حد بيبص لي! إنتي تؤمري، وبنتك زي بنتي بالظبط، وكل تجهيزات العروسة عليّ من أطرافها لحد فستان الزفاف اللي هصممهولها بنفسي!”
أمينة عيطت من كتر الفرحة والامتنان، وقعدت تدعي لي دعوات جميلة طلعت من قلبها. وفعلاً، في خلال أسابيع قليلة، حولت فرحة أمينة لحقيقة، وجهزت البنت بأحسن وأجمل تجهيز، وعملت لهم فرح بسيط ودافئ، وكنت أنا وأمي وحسن حاضرين معهم نبارك لهم ونفرح لفرحهم.
لما رجعت القصر بالليل، دخلت أوضتي، ولقيت حسن واقف قدام الشباك بيبص للجنة والنجوم، لف لي وابتسم وقال:
* “كنت متأكد إنك هتعملي كده.. أصيل يا نبيلة، والخير اللي بتزرعيه بيرجع لك أضعاف.”
بصيت لعيون حسن، وحسيت براحة مالهاش حدود، وعرفت إن الأيام الحلوة لسه مخبيالنا حاجات تفرح القلب، وإن القصة قربت توصل لنهايتها السعيدة والمستحقة.
مرت السنين، وبقت حياتنا في القصر عبارة عن سلسلة من الأيام الهادئة والمباركة. أمي ربنا أطال في عمرها، وبقت تشوف حفيد ورا حفيد يملوا القصر ضحك ولعب، بعد ما ربنا رزقني ببنوتة قمر وولد شبه حسن في كل طباعه وملامحه.
دار الأزياء بتاعتي بقت من أشهر دور الأزياء في مصر، واسم “نبيلة الهواري” بقى مرتبط مش بس بالشياكة والأناقة، لا، ده بقى مرتبط كمان بالخير ومساعدة كل محتاج. كل عروسة يتيمة أو غلبانة في المنطقة القديمة أو غيرها، كنا بنجهزها وكأنها أختنا، وكل شاب تايه في الدنيا كنا بنفتح له باب رزق، تخليداً لذكرى أبويا الله يرحمه، وعشان نفتكر دايماً إن الدنيا دار ممر، وإن الأيام بتلف وتدي كل واحد على قد نيته.
في يوم، وأنا قاعدة في جنينة القصر الكبيرة، وشاغلني فنجان القهوة وقاعد جنبي حسن وماسك إيدي بحب زي أول يوم، بصيت للورد والزرع، وحمدت ربنا في سرّي على كل لحظة وجع صبرت عليها زمان.
حسن بص لي بابتسامة دافية وقال:
* “بقولك ايه يا ست الكل.. تفتكري لو مكنتش نزلت الشارع ده و مثلت إني شحات، كنا هنقابل بعض؟”
ضحكت بصوت عالي، وبصيت له بحب وقلت:
* “لو مكنتش نزلت، مكنش ربنا رتب لنا اللقاء اللي غير حياتنا.. الإنسان بياخد نصيبه بالرضا والصبر، ومش كل إنسان بينزل يمد إيده بيبقى فقیر.. أحياناً بيبقى جاي عشان يطلع الجواهر اللي مستخبية تحت التراب.”
حسن ضمّني لصدره بحنان، وأمي طلعت للبلكونة وهي بتضحك وتبتسم لنا، وحسيت ساعتها إن الرواية خلصت، بس أجمل حكايات العمر.. كانت لسه بتبدأ.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




