روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

طارق قعد يصرخ ويبكي وينادي اسمي، بس الأمن مسكه وخرجوه برة الشركة خالص.

قعدت على مكتبي، بصيت من البلكونة الواسعة على شوارع القاهرة الواسعة والنيل اللي بيلتمع قدامي، وحسيت براحة الدنيا كلها في قلبي.. لأن اللي زيك يا طارق بيكسب طمعه، بس اللي زيي بيكتشف إن روحه وكرامته هما أغلى كنز في الوجود.

رجعنا لبعض أنا وولادي بهدوء وسكينة، بس مش كزوجين.. رجعنا كعائلة مكونة مني أنا لوحدي، الملكة اللي بنت مملكتها من طين الوجع وصخر التحدي.

بعد المشهد الأخير في الشركة، وموقف طارق وهو مكسور برا الباب، معرفش عنه حاجة بعدها ولا سألت. الدنيا دارت وجابت كل واحد مكانه الصحيح؛ أمي وأحمد اكتفوا بخناقاتهم اللي لا تنتهي، وطارق غرق في بحر من الندم اللي ملوش آخر، يلف على عتبات الأيام يدور على سند ملوش وجود، بعد ما فرط في أصيل كسبت قلبه قبل ما تكسب ملايينه.

أما أنا، فحياتي مع ولادي بقت عبارة عن لوحة فنية مرسومة بالهدوء والفخر. كل صباح كنت بصحى فيه، وأنا باصة لابتسامة أولادي وهما رايحين مدارسهم، كنت بحمد ربنا ألف مرة على اللحظة اللي طارق دفعني فيها لطريق النجاة. لولا جبروته وطمعه، كنت هفضل محبوسة جوه دائرة الاستغلال والرضا بالقليل، بس قدر ربنا كان أرخب وأعظم بكتير من كل خططهم.

الشركة بتاعتي كبرت وبقت اسم كبير في السوق، وبقيت مشاركة في أعمال خيرية كتيرة بساعد بيها الستات اللي بيمروا بنفس ظروفي، عشان أكون لهم السند اللي ملقوهوش. بقيت أعلمهم إن الست مش هشة، وإن كرامتها وعزة نفسها هما راس مالها الحقيقي اللي ما ينفعش تفرط فيه أبداً مهما كانت الظروف.

في يوم، وأنا قاعدة في البلكونة الواسعة لشقتي في المعادي، ومعايا كوباية القهوة والهوا البارد بيلاعب شعري، ابني الكبير جه وقف جنبي وحط إيده على كتفي وقالي بحب: “يا ماما.. إنتي أحسن وأجمل أم في الدنيا كلها، تعبتي كتير وعوضتينا عن كل حاجة.”

ابتسمت له ودموع الفرحة لمعت في عيوني، وطبعت بوسة على جبينه وقولت: “عشان أنتم يا حبيبي تستاهلوا الدنيا وما فيها.. طول ما إحنا مع بعض وبنخاف ربنا، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرنا.”

قفلت باب الماضي بكل جراحه، وفتحت بيبان بكرة بكل أمل وثقة. الحكاية خلصت، بس قصتي أنا وأولادي لسه في بدايتها.. قصة إنسانية بتثبت إن الطمع قل ما جمع، وإن الجبروت بيخلق من قلب الضعف.. أسد لا يرحم.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى