
## الجزء الثالث
صوت صرخات إسماعيل وهو بيتحسس طريقه للهرب وبيتوسل لرجالة زياد عشان يسيبوه يخرج، كان بيتردد في أرجاء الصالة الواسعة زي صدى مزعج لمسرحية قديمة سيئة الأداء. لكن ولا واحد من الرجالة اتحرك مكانه. كلهم كانوا مستنيين إشارة واحدة بس من زياد.
زياد نزل أمره بكلمتين قصيرين وقاطعين:
* خدوه على المخزن التحتاني… لحد ما البوليس الحقيقي يوصل بالملفات الصح، مش اللي هو جابها عشان يمثل بيها قدامنا.
اثنين من الرجالة مسكوا إسماعيل بقسوة وجروه وراهم، وصوته كان بيقل تدريجيًا لحد ما اختفى ورا بوابات السلم السفلي. الصالة رجعت له الهدوء، بس الهوا كان لسه محمل بتوتر العاصفة اللي عدت.
زياد التفت لي بالكامل، ومد إيده الاتنين مسك بيهم كفوفي اللي كانت لسه بتترعش شوية من تأثير المواجهة. بص في عيني بعمق وقال بصوت دافئ وخالي من أي قسوة:
* انتِ كويسة يا فريدة؟
هزيت رأسي بالإيجاب، ولأول مرة أحس إن الدم بيرجع لطبيعي في جسمي. بصيت له وقولت بصوت هادئ:
* عمري ما كنت أکثر راحة من دلوقتي… كأن حجر ضخم ارفع عن صدري.
سيف جه وقف جنبنا، وبص للفلاش ميموري اللي كانت لسه على الترابيزة، وقال بابتسامة خفيفة:
* شكلنا كده هندخل التاريخ يا زياد. المستندات دي مش بس تدين إسماعيل في قضية الحادثة بتاعتي، دي بتكشف شبكة فساد كاملة كان بيستخدم فيها أسماء رجال أعمال كبار عشان يغسل فلوس ويهدد كل اللي يعترض طريقه، وطبعًا إنتِ كنتِ الشاهد الوحيد اللي بيعرف مخزن الأسرار دي يا فريدة.
زياد ضيق عينه وهو بيبصلي بحماية واضحة، وقال:
* عشان كده هو كان مستميت عشان ياخدك ويرجعك لسيطرته… كان مفكر إن لو رجعتي بيته، هيقدر يخويكِ أو يخلص منك قبل ما حد ينطق بكلمة واحدة. بس هو ما عرفش إن الليلة دي هي اللي هتدمره للأبد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سيارات الشرطة وهي بتدخل فناء القصر من بره، وصفارات الإنذار بدأت تقرب وتعلن إن النهاية الحقيقية لإمبراطورية إسماعيل خالد بدأت تتكتب بشكل رسمي.
سيف بص لزياد وقال:
* البوليس وصل ومعاهم النيابة العامة.
زياد هز راسه، وبعدين بص لي وقال بحنان غير معتاد:
* تعالي معايا يا فريدة. خليني أوريكي حاجة.
مشيت معاه بخطوات ثابتة لحد ما وصلنا للجناح الخاص بيه في الدور العلوي، بس المرة دي، الأوضة ما كانتش ملوّنة بالرهبة أو الخوف اللي حسيت بيه أول ما دخلتها. زياد فتح باب الشرفة الكبيرة اللي بتطل على النيل، الهوا الهادي البارد داعب شعري، وأنوار القاهرة كانت منعكسة على مياه النهر بشكل ساحر.
وقفنا جنب بعض على السور، وبصيت له وقولت:
* تفتكر دي النهاية بجد؟ ولا لسه فيه كوابيس تانية مستنياني؟
زياد لف وشي ناحيته بإيده بلطف، وبص في عيني مباشرة وقال بكلمات حاسمة:
* الكوابيس انتهت يا فريدة. من اللحظة دي، مفيش أي مخلوق على وجه الأرض يقدر يقربلك، ولا يمس شعرة منك. أنا زياد المنشاوي، ووعدي أمان، وإنتِ مش لوحدك تاني أبدًا.
حسيت بدموع الفرحة بتلمع في عيني، ولأول مرة أحس بطعم الحرية بجد. بصيت للنيل، وبدأت أحس إن الفستان الأبيض اللي لبسته غصب عني في الكنيسة الصبح، ما بقاش رمز لقيد جديد، بل كان بوابتي لعالم تاني خالص… عالم فيه راجل زي زياد مستعد يقلب الدنيا كلها عشان يحميني.
لكل قصة بداية، وقصتنا إحنا لسه في أولها… يتبع
## الجزء قبل الأخير
صفارات سيارات الشرطة كانت لسه بتردد صداها في أرجاء فناء القصر الواسع، وضباط المباحث دخلوا مع سيف للصالة الكبيرة عشان يتسلموا المستندات الخطيرة ويقبضوا على إسماعيل خالد متلبس بكل جرائمه.
في الجناح العلوي، كنت واقفة جنب سور الشرفة مع زياد، عيني معمولة على أنوار القاهرة اللي بتلمع في انعكاس مياه النيل. الهوا كان بارد ومنعش، ولأول مرة من سنين طويلة حسيت إن الرئة بتاعتي بتدخل هواء نظيف من غير خوف أو ترقب.
زياد حس بيا، فقلع جاكت البدلة بتاعه بهدوء ورجع غطى بيا كتافي اللي كانت عريانة، وقال بصوت دافئ:
* البرد بدأ يزيد بره، بس اطمني… الدفا راجع للأماكن اللي اتجمدت فيكي سنين يا فريدة.
بصيت له وبسمة خفيفة زينت وشي لأول مرة من وقت طويل:
* أنا لسه مش مصصدقة إن الكابوس ده كله خلص في ساعات معدودة يا زياد… كأنه حلم مرعب وصحيت منه فجأة.
زياد مسك إيدي وباسها بحنان غير معتاد من راجل بهيبة وسطوة زي زياد المنشاوي، وقال:
* ده مش حلم، دي حقيقة. إسماعيل دلوقتي في مكانة الصحيح، والنيابة العامة فتحت التحقيق في كل ملفات الفساد والجرائم اللي ارتكبها، وهياخد جزاؤه اللي يستحقه بالقانون، من غير ما نوسخ إيدينا بيه.
سيف دخل علينا البوضة في اللحظة دي، وبان على وشه الارتياح والابتسامة الواسعة، وقال:
* البوليس خد إسماعيل والملفات كلها اتسلمت للجهات المختصة. الصحافة اللي كان جايبها عشان يعمل بروباجندا ضدنا، انقلبت ضده تمامًا أول ما شافوا تهم الفساد والقتل بتتوجه له رسميًا. القصة دي هتتصدر مانشيتات الجرائد بكرة الصبح، واسم عائلة خالد انتهى للأبد.
زياد بص لأخوه وقال بنبرة رضا:
* كويس… خلّي المحامين يتابعوا كل التفاصيل، ومش عايز أي ثغرة تخليه يهرب منها.
سيف هز راسه بإيجاب، وبص لي وقال بابتسامة:
* حمد لله على سلامتك يا فريدة. نورتي عيلة المنشاوي بجد.
بعد ما سيف سابنا ورجع يشرف على باقي الإجراءات تحت، رجعت أبص لزياد اللي كان بيبصلي بعيون مليانة كلام كتير لسه مقالش.
سألته بصوت هادي:
* تفتكر بعد كل اللي حصل ده، أنا هقدر أعيش حياة طبيعية؟ هقدر أنسى الندوب اللي على جسمي والماضي اللي كسرني؟
زياد قرب مني خطوة، وحط صوابعه تحت دقني ورفع وشي عشان أبص في عينيه مباشرة، وقال بصوت عميق وصادق:
* الندوب دي مش ضعف يا فريدة… دي وسام شجاعة على جسم واحدة استحملت جحيم لوحدها سنين طويلة. ومش هتحتاجي تنسي، لأننا هنبني بكرة جديد يخليكي تفتكري قوتك مش وجعك. أنا مش هسيبك تبعدي عني أبدًا.
حست إني ملكت الدنيا باللي فيها، والكراهية والغموض اللي شوفتهم في عينيه ليلة الفرح اتقلبوا لحماية وحب مطلقين.
بس وسط اللحظة دي الهادية، الباب بتاع الجناح اتخبط خبطات خفيفة، وواحد من رجالة زياد دخل وقال بقلق:
* يا ريس… فيه حاجة غريبة حصلت تحت مع العربيات اللي نقلت إسماعيل للنيابة!
## الجزء الأخير (النهاية)
التوتر رجع اتسحب في الجناح في ثواني معدودة، وزياد عينه ضاقت وسأل بحدة:
* حاجة إيه؟ إيه اللي حصل؟
الراجل رد بسرعة ونبرة صوته فيها ارتباك:
* عربية الترحيلات اللي كان فيها إسماعيل… اتقلبَت على الكورنيش قبل ما توصل لمديرية الأمن! البوليس بيقول إنها كانت محاولة هروب مدبرة من رجالة تانيين ليه كانوا مستنيين على الطريق، وإسماعيل هرب في المية أو وسط العربيات المضروبة!
قلبي وقف في مكاني، وحسيت إن البرد رجع يسري في جسمي كله. بصيت لزياد برعب وقولت بصوت مهزوز:
* هرب؟! يعني الكابوس لسه مخلصش؟
زياد ملامحه اتجمدت تمامًا، والبرود والسطوة اللي اشتهر بيهما رجعوا لوشه، بس المرة دي كان وراهم غضب أعمى لا يرحم. مد إيده بسرعة وجاب مسدسه من على الترابيزة، وحطه في حزامه بتمكن.
بص لي وقال بصوت ثابت وقوي:
* فريدة… اسمعيني كويس. إسماعيل حاول يلعب لعبته الأخيرة، بس دي مرته الأخيرة بجد. هو مفكر إنه يقدر يهرب من عيلة المنشاوي، بس ميعرفش إنه حفر قبره باكتساح لما فكر يرجع لمراتي.




