روايات وقصص

حكايات اسما 4

السنين بتمر، وكل يوم بيمر كان بيثبت لنا إن الحياة بتبتسم للي بيصبر وبيسعى بقلب صافي وضمير مرتاح. بنتي بقت واحدة من أعمدة الشركة اللي بتشتغل فيها، واسمها بقى معروف في السوق الهندسي بكفاءتها وأخلاقها العالية، وكل ده وأنا قاعدة جنبها بشوف تعب السنين بيترجم لنجاح وفخر ملوش حدود.

في يوم ربيعي جميل، الشمس كانت طالعة دافية، والجو هادي وجميل، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي الصباحية، وببص على الشارع من فوق، وبتأمل ازاي ربنا غير حالنا من الفقر والقهر والكسرة، لأمان وعز وستر وراحة بال تامه.

لقيت بنتي طالعة من أوضتها لابسة أحسن ما عندها، وماسكة شنطتها وهي بتضحك وبتقول بصوت مالي البيت حيوية:

— ماما! إيه رأيك في اللبس ده؟ النهارده عندي اجتماع مهم جداً مع مجلس الإدارة، وهيعلنوا عن ترشيحي لمنصب كبيرة مهندسي المشاريع!

قمت بسرعة من مكاني، ورحت حضنتها بحب كبير، وبوست راسها وقلت لها بفخر:

— ما شاء الله يا قلب ماما، ربنا يحفظك ويوفقك دايماً، أنا دايماً مؤمنة بيكي وعارفة إنك هتوصللي لأعلى مكانة.

ابتسمت لي بحنان، وقبلت إيدي وقالت:

— لولاكي إنتِ يا أمي، ولولا وقفتك جنبي بعد وفاة بابا الله يرحمه، مكنتش حققت أي حاجة من دي كلها. بابا اكيد في الجنة فرحان بينا دلوقتي.

دموع الفرحة لمعت في عيوني، وهزيت راسي باتفاق وأنا باصة لصورته المعلقة على الحيطة بكل فخر وامتنان. نزلت بنتي لشغلها، وفضلت أنا في البيت أظبط أموري وأتابع رواياتي وشغلي البسيط اللي بيملى وقتي.

وبينما أنا بقلب في كتب قديمة في المكتبة، طاحت عيني على بوكس صغير قديم كنت حاطة فيه ذكريات السنين اللي فاتت؛ الورقة اللي بخط إيد جوزي، مفتاح الخزنة القديم، وصورة الجاكيت الشتوي اللي كان بداية الحكاية كلها. مسكت البوكس، وفتحته، وبصيت للحاجات دي بابتسامة هادئة.

الحاجات دي مبقتش تفكرني بالوجع ولا بالذل القديم، بالعكس! بقت وسام على صدرنا، ودليل قاطع على إن الإنسان لما بيصبر وبتكون نيته صافية وبيحافظ على كرامته وشرفه، ربنا بينصره مهما طال الظلم أو قوي الظالمين. أختي وجوزها أخدوا جزاؤهم بالعدل الإلهي، واحنا أخدنا عوض ربنا العظيم اللي ملهوش حدود.

قفلت البوكس بهدوء، ورجعته مكانه، وحسيت بسلام داخلي ملوش مثيل. وطالما النفس راضية وقلبنا مليان بحب ربنا وببعض، فالحياة لسه مخبيالنا حاجات أجمل بكتير، والقصة لسه مكملة بإذن الله.

مرت الأيام والسنين، وبقت حياتنا أنا وبنتي عبارة عن واحة من الهدوء والاستقرار والنجاح المستمر. البيت مبقاش مجرد مكان نعيش فيه، ده بقى بيوت من الدفا والمحبة والفخر، وبنتي بقت قمر من قمور الدنيا، مش بس مهندسة شاطرة وناجحة في شغلها، دي كمان بقت نموذج يحتذى بيه للأخلاق والجد والالتزام، وكل زملائها ورؤسائها في الشركة بيحترموا عقليتها وذكائها.

في يوم من أيام الشتاء، وفي نفس الشهر اللي حصلت فيه القصة القديمة من سنين طويلة، كنت قاعدة بالليل في الصالون مدفية جنب الدفاية، وماسكة كنجل الشاي وسرحانة في ميكانيزم الحياة والدنيا وإزاي بتمشي.

فجأة، رن جرس باب الشقة.

استغربت جداً؛ مين هيخبط على الباب في وقت متأخر زي ده وفي جو بارد ومطر برة بالشكل ده؟

قمت بخطوات بطيئة، وفتحت الباب بحذر، ولسه هسأل مين، لقيت قدامي شابة صغيرة في أوائل العشرينات، وشكلها مألوف جداً لدرجة صدمتني!

كانت ملامح وشها نسخة طبق الأصل من أختي وهي صغيرة، عيونها مدمعة ووشها أصفر وبردانة جداً، وماسكة في إيدها شنطة قماش بسيطة.

بصتلي بصة مكسورة، وبصوت بيترعش من البرد والخوف قالت:

— خالتو… أميرة؟

حسيت بقلبي بيقع في رجلي، ودمي تجمد في عروقي لثواني. دي مش أختي… دي بنتها! بنت أختي اللي كانت رضيعة وقت ما حصلت المشاكل كلها، البنوتة اللي زمان أختي كانت بتمنظر بيها وبفلوس جوزها وحياته البخيسة، أهو الزمن دار بيها وبقت واقفة قدامي على باب شقتي، مكسورة ومنكسرة وملهاش حد في الدنيا بعد ما أبوها اتسجن مؤبد وأمها ضاعت حياتها في السجن والندم!

— قسوة أختي، الـ 800 جنيه، الجاكيت الشتوي، رعبة المفتاح، صرخة بنتي — كل ده شريط عُرض قدام عيني في لحظة واحدة.

البنت نزلت دموعها بغزارة، ووقعت على ركبتها قدام باب الشقة وقالت بصوت منهار ومبحوح:

— أنا عارفة إننا ظلمناكي… وعارفة إن أمي عملت فيكي وبنتك حاجات ما تتسكتش، بس أنا ماليش ذنب في أي حاجة! أنا كنت طفلة ساعتها، ودلوقتي كبرت وطلعت من الكلية، وكل الناس بتهرب مني وبتعيرني باسم أبويا وأمي… ومبقاش ليا في الدنيا كلها غيرك يا خالتو… بالله عليكي ما تكسرينيش ولا تقفلي الباب في وشي!

جسمي كله كان بيترعش، وحسيت بصراع عنيف جوه قلبي؛ بين جرح القديم والقسوة اللي شوفتها من أمها، وبين براءة البنت الواقفة قدامي بتعيط وهي مالهاش ذنب في خطايا أهلها.

في اللحظة دي، طلعت بنتي من أوضتها على صوت العياط، ووقفت جنبي في الطرقة. بصت لبنت خالتها وهي مستغربة، وبعدين بصتلي وشافت دموعي اللي كانت على وشك النزول.

بنتي قربت مني بهدوء، وحطت إيدها الدافية على كتفي، وبصت لبنت خالتها اللي على الأرض، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادئ ومليان حكمة:

— يا ماما… إحنا طول عمرنا ناس طيبيبن، وربنا كرمنا عشان قلبنا نضيف. البنت دي مالهاش ذنب في اللي أهلها عملوه، ولو قفلنا الباب في وشها، هنكون فرقنا إيه عنهم يوم ما قفلوا بابهم ورحمتهم في وشنا؟

كلمات بنتي نزلت على قلبي زي بلسم شافعي طفي نار الغضب والجرح القديم كله. بصيت لبنتي بافتخار وفرحة إنها طلعت بالقلب الطيب والنقي ده، ونزلت لمستوى البنت اللي على الأرض، ومديت إيدي ليها بحنان، ورفعتها عندي وقضيت على خوفها بحضن دافئ ومحتضن.

مسحت دموعها بإيدي وقلت بصوت حنون مفيش فيه أي ضغينة:

— قومي يا حبيبتي… قومي ادخلي جوه، البيت بيتك، ومحدش هنا هيعيرك بحاجة أبداً. اللي فات مات، وإحنا أهل، ودمنا واحد.

البنت حضنتني بكل قوتها وفضلت تعيط بصوت عالي من كتر الفرحة والراحة، وبنتي ابتسمت لنا وراحت بسرعة تجهز لها كوباية شاي سخنة وأكل دافي.

قعدنا سوا في الصالون، وحكيت للبنت إننا هنساعدها تبدأ حياة جديدة تماماً، وتشتغل وتبني نفسها بعيد عن عار الماضي. حسيت في اللحظة دي بسلام حقيقي وعميق، وعرفت إن العفو عند المقدرة هو أعظم نصر ممكن الإنسان يحققه في حياته.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى