
وقفت ياسمين في منتصف الصالة بخطوات ثابتة ووجه خالٍ من أي انفعال، كأنها تمثال من الرخام الصفي. كانت نظرات كريم معلقة بها، تمتزج فيها الحيرة بالخوف، خصوصًا بعدما رأى الإشعار الذي وصل على هاتفه يخبره بسحب مبلغ ضخم من حسابهما البنكي المشترك.
ساد الصمت الغريب أرجاء الشقة. حماتها، الحاجة نوال، كانت تشرب شايها ببطء، وفي عينها لمعة شفاء وغرور، بينما كانت دينا، أخته، تتابع الموقف وهي تبتسم بسخرية وتنقش أظافرها. أما والد ياسمين وأمها، فكانا يقفان عند الباب، والحرج يغطي ملامحهما، يحملان الورد والشوكولاتة وكأنهما غريبان ضلا الطريق.
-
حكايات انجى الخطيب 2منذ ساعة واحدة
-
جوزي وعد يقعد ولاد أخته2منذ 3 ساعات
-
حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا3منذ 7 ساعات
-
حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا 2منذ 7 ساعات
اقتربت ياسمين من والدها، أخذت من يده بوكيه الورد، وحضنته بآلية جافة، ثم التفتت لوالدتها وقبلت رأسها، وقالت بصوت ناعم ولكن له نبرة حادة كالمشرط:
ـ اتفضلوا يا بابا، اتفضلي يا ماما… البيت بيتكم، ونورتم شقتي.
تدخل كريم محاولاً تدارك الموقف قبل أن يتفاقم، واقترب بابتسامة متكلفة:
ـ أهلاً يا عمي، اتفضلوا اتفضلوا… معلش الطريق كان زحمة، وإحنا افتكرناكم هتتأخروا أكتر من كده، فـ…
قاطعته ياسمين بنظرة واحدة جعلت الحروف تتجمد في حلقه، ثم وجهت كلامها لوالدها بثبات:
ـ ادخلوا ارتاحوا في الصالون، الأكل الفاخر في الطريق، خمس دقائق ويوصل.
هنا وقفت الحاجة نوال، ووضعت كوب الشاي برعونة على الطاولة ليرن صوته في المكان، وقالت بصوت عالٍ وزعيق مباغت:
ـ أكل إيه اللي في الطريق يا ياسمين؟ ومن أفخم مطعم في الزمالك؟ إيه التبذير والافتراء ده؟! هو إحنا مش لسه آكلين وشبعانين؟ ولا إنتِ فاكرة جوزك بيكسب الفلوس دي من الشارع علشان تطيريها في دقيقة عشان تعملي شو ولقطة؟
لم تلتفت ياسمين إليها، بل مشت بخطوات هادئة نحو السفرة التي كانت تملؤها الأطباق المتسخة وبقايا الطعام. وبدون أن تنطق بكلمة واحدة، بدأت تجمع الأطباق الفارغة، والصواني الممسوحة، وأحذت الفوطة ومسحت السفرة تمامًا حتى أصبحت تلمع. ثم حملت بقايا الأكل التي تركها كريم وأمه وأخته، وألقتها بالكامل في سلة القمامة أمام أعينهم جميعًا.
شهقت دينا وقالت بزهول:
ـ إنتِ بترمي الأكل يا ياسمين؟ ده افتراء على النعمة!
ردت ياسمين دون أن تنظر إليها، وهي تغسل يديها على الحوض:
ـ دي مش نعمة يا دينا… دي كانت قلة قيمة. والزبالة هي المكان الطبيعي لأي حاجة تتقدم بأسلوب رخيص.
شاط كريم غضبًا، واقترب منها في المطبخ، وهمس بصوت مكتوم وهو يجز على أسنانه:
ـ إنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي مع أمي وأختي كده؟ وإزاي تسحبي المبلغ ده كله من الفيزا المشتركة من غير ما ترجعيلي؟ أنتِ فاكرة نفسك بتعاقبيني؟
توقفت ياسمين عن تجفيف يديها، ونظرت إلى كريم. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيها كريم في عيني زوجته ولا يرى فيهما ذلك البريق الوديع الذي اعتاده على مدار ثلاث سنوات. رأى فقط جدارًا من الثلج.
قالت له بهدوء مرعب:
ـ الفيزا دي فيها فلوس مؤخري وفلوس الجمعية اللي أنا مدخلاها بمرتبي. يعني فلوسي يا كريم. أما عن أمك وأختك، فدول ضيوفك، أكلوا وشبعوا وداسوا على كرامة أهلي… ودلوقتي دوري أنا وأهلي نعيش ليلتنا بالطريقة اللي تليق بينا.
جرس الباب رن. كان مندوب التوصيل قد وصل.
فتحت ياسمين الباب بنفسها، واستلمت الحقائب الفخمة التي تفوح منها رائحة الأكل المشوي والمكرونات الفاخرة والحلويات الغربية. أخذت الوجبات، ودخلت إلى السفرة. وضعت الأطباق الكريستالية النظيفة، ورتبت السفرة من جديد بأسلوب راقٍ يليق بمناسبة كبرى.
جلس والدها وأمها، وعلى وجوههما علامات الذهول وعدم الراحة. حاول والدها أن يلطف الجو وقال بصوت خفيض:
ـ يا بنتي ما كانش له لزوم كل ده… إحنا كنا ممكن ناكل أي حاجة في البيت أو نعدي الموضوع.
ردت ياسمين وهي تضع طبق الستيك الفاخر أمام والدها:
ـ أنت معلمني يا بابا إن اللي ما يحترمش وجودك، ما يستاهلش تقعد على سفرته. والنهارده عيد جوازكم الـ35، وأنا مش هسمح لأي حد في الدنيا يكسر فرحتكم أو يحسسكم إنكم غير مرحب بيكم في بيت بنتك.
في هذه الأثناء، كانت الحاجة نوال تقف في زاوية الصالة تتآكل من الغل. لم تكن تتوقع أن تتصرف ياسمين بهذه القوة. كانت تعتقد أن ياسمين كعادتها ستبكي في المطبخ، وتستسلم للأمر الواقع، وتكتفي بالاعتذار لأهلها بصوت خفيض. لكن هذه الردة الحاسمة جعلتها تشعر بصغر حجمها.
قالت نوال بنبرة ملؤها السم:
ـ والله كتر خيرك يا ياسمين… بتبدلي أكل بيتك بأكل مطاعم عشان تقومي بالواجب مع أهلك، وبتحسسينا إننا أكلنا أكلك وقطعنا عيشك! عمومًا يا كريم، إحنا ماشيين، البقاء لله في الذوق والأصول اللي أتربينا عليها.
قامت دينا وجمعت حقيبتها وقالت بغرور:
ـ يلا يا ماما، المكان واضح إننا مالناش قيمة فيه.
كان كريم يتصبب عرقًا، ونظر إلى ياسمين بقلة حيلة متوقعًا منها أن ترتعب، أو تحاول إيقاف أمه كما تفعل كل مرة، وتترجاها ألا تغضب. لكن ياسمين مشت بكل هدوء نحو باب ، فتحته على وسعه، وقفت بجانبه، وقالت بابتسامة باردة:
ـ مع السلامة يا طنط… طريق السلامة يا دينا. خطوة عزيزة.
ذهلت نوال، واتسعت عينا كريم من الصدمة. خرجت نوال ودينا وهما يتمتمان بكلمات الغضب والتهديد، وإغلاق الباب خلفهما بصوت هز الشقة.
لف كريم وجهه نحو ياسمين، وكان ينفجر غضبًا:
ـ إنتِ طردتي أمي وأختي؟! إنتِ جنيتي رسمي يا ياسمين؟ حسابك معايا بعد ما أهلك يمشوا!
نظرت ياسمين إلى كريم ببرود تام، ولم ترد بخطوة واحدة للوراء. بل مشت ببطء ونشاط نحو الصالون، وقعدت جنب والدها، وبدأت تأكل وتتحدث وتضحك مع والدها ووالدتها وكأن كريم غير موجود في الغرفة أساسًا.
طوال ساعتين، أدارت ياسمين ظهرها لكريم تمامًا. أكلت مع أهلها، واحتفلت بعيد جوازهما، وقطعت التورتة الفاخرة التي أصلحت بها التورتة المأكولة، وغنت معهما، والتقطت الصور. كان كريم يقف في الزاوية، يشعر بأنه غريب في بيته، محاصر بين غضبه من ياسمين وبين شعوره الدفين بالخطأ والضعف.
في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، استأذن والد ياسمين للرحيل. قبل أن يخرج، أخذ كريم على انفراد عند الباب، وقال له بنبرة حازمة وهادئة:
ـ يا كريم يا ابني… أنا جيت النهارده أفرَح ببنتي، مش أعمل مشاكل. بس اللي حصل النهارده من أمك وأختك، وسكوتك عليه، ما يرضيش ربنا ولا يرضي أي راجل بيحمي بيته. ياسمين بنتي غالية، واللي يقلل مني ومن أمها في بيتها، يبقى بيبص للبيت ده على إنه ملوش صاحب. كبر عقلك وحافظ على بيتك، لأن الكسر لما بيحصل، ما بيرجعش.
خرج الأب والأم. أغلقت ياسمين الباب خلفهما.
وفور إغلاق الباب، تحولت إلى ساحة جمرية.
اندفع كريم نحوها، ومسكها من ذراعها بقوة أشد من المرة الأولى، وقال وهو يصرخ في وجهها:
ـ إنتِ فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إنك لما تعملي الحركة دي وتدفعي الفلوس وتطردي أمي هتدوسي عليا؟ أنا كريم! محدش يكسر كلمتي أو يهين أمي في بيتي! إنتِ هتلمي هدومك فورًا وتروحي مع أهلك، ومش هترجعي هنا غير لما تعرفي إزاي تبوسي إيد أمي وتعتذري لها!
شعرت ياسمين بألم صوابعه على ذراعها، لكن هذه المرة لم تدمع عينها. لم تخف.
نظرت في عينيه بثبات يجعل الجبال تتزلزل، وقالت بصوت خفيض وواثق:
ـ سيب إيدي يا كريم… سيبها بدل ما تكون دي آخر حاجة تمسكها في حياتك.
أرخى كريم يده رغماً عنه من هول النبرة.
أكملت ياسمين وهي تتراجع خطوتين للورا:
ـ إنت فاكر إنك بتطردني؟ إنت عبيط؟ أنا مش مستنية يا كريم. أنا اللي قررت أنهي القرف ده.
مشت بخطوات متزنة نحو غرفة النوم. فتحت الدولاب، وسحبت حقيبة سفر كبيرة. بدأت تطوي ملابسها وأغراضها الشخصية وترميها في الحقيبة بسرعة ونظام شديدين.
تبعها كريم للداخل وهو يحاول استعادة سيطرته، وقال بتهكم:
ـ آاه… ماشية يعني؟ رايحة تعيطي لأهلك؟ فاكرة إنك كده بتمسكي عليا نقطة ضعف؟ اتفضلي، باب الشقة مفتوح، بس لو خرجتي دلوقتي، ما تصدقيش إنك هتلمسي عتبة البيت ده تاني!
توقفت ياسمين، والتفتت إليه، وفي يدها ملفت أسود صغير كانت تحتفظ به في درجها الخاص.
رفعت الملف في وجهه وقالت:
ـ البيت ده؟ البيت ده باسمي وباسمك بالنصف يا سي كريم… دي مقدّمها مدفوع من ورث أمي، والأقساط اللي بتتدفع كل شهر بيتدفع نصها من مرتبي اللي بتبقضه كل أول شهر.
ثم أخرجت ورقة من الملف ورمتها على أمام عينيه المندهشتين.
ـ دي صورة عقد الشقة، ودا إيصال الشيكات. والأهم من ده كله…
أخرجت هاتفها، وفتحت التسجيلات الصوتية. ضغطت على زر التشغيل.
خرج صوت الحاجة نوال من الهاتف وهي تقول بوضوح في تسجيل قديم قبل أشهر:
(«بقولك إيه يا كريم، اكتب الشقة باسمك لوحدك واخلص من ياسمين، هي كده كده ملهاش أمان، وخليهم يعفوا عن باقي مؤخرها لما تطلّقها!»)
ثم خرج صوت كريم وهو يرد عليها في التسجيل:
(«يا ماما اصبري بس لما نحول باقي الفلوس من حسابها وبعدين نعمل اللي إنتِ عايزاه!»)
شحب وجه كريم تمامًا. اختفت كل ألوانه. تراجع خطوة للخلف وكأنه تلقت ضربة على رأسه بأداة حادة.
ـ إنتِ… إنتِ سجلتيلي؟ إنتِ بتتسوسي عليا في بيتي؟
ابتسمت ياسمين ابتسامة مريرة، وقالت:
ـ التسجيل ده من أربع شهور يا كريم… من اليوم اللي عرفت فيه إنك مش بس زوج ضعيف الشخصية قدام أمك، إنت كمان خاين وبتخطط معاها عشان تاكل حقي وتسرق شقاي. أنا صبرت وطولت بالي، وكنت بحاول أصدق إنك ممكن تتغير، أو إن فيك ريحة الرجولة… لكن النهارده، لما سمحت لأمك تهين أهلي وتجوعهم وتضحك عليهم، وعلمت على دراعي بإيدك… عرفت إن التأجيل كان غباء.
أغلقت ياسمين الحقيبة بصوت رنان. أخذت حقيبة يدها، والملف الأسود.
قالت له وهي تقف عند باب الغرفة:
ـ الفلوس اللي اتسحبت النهارده من الفيزا؟ دي كانت أول دفعة من حقوقي اللي هسحبها منك قرش قرش. بكرة الصبح، المحامي بتاعي هيرفع قضية تمكين من الشقة، وقضية مرفق بيها التسجيل ده، وإيصالات التحويلات المالية اللي كانت بتدخل حسابك من مرتبي.
اقترب كريم منها، وقد بدأ الخوف ينهك ملاكحه، وصوته يرتجف:
ـ ياسمين… استني، إنتِ فاهمة الموضوع غلط… التسجيل ده كان مجرد كلام مسايرة لأمي عشان تهدا، أنا عمري ما كنت هعمل كده! ياسمين اسمعيني!
طردت ياسمين يده بعيدًا عنها عندما حاول لمسها، وقالت له بكل قسوة:
ـ المسايرة دي هي اللي خربت بيتك. خلي أمك ودينا ينفعوك دلوقتي… خليهم يجوا يقعدوا معاك في الشقة اللي هتدفع أقساطها لوحدك، أو يطعموك من صواني اللحمة والمحشي اللي شبعوا بيها على حساب كرامتي.
سحبت حقيبتها الخشبية الثقيلة، ومشت بخطوات ثابته نحو الباب الخارجي.
وقف كريم في منتصف الممر، عاجزًا عن الحركة، والتسجيل الصوتي لا يزال يتردد في أذنه كالكابوس.
فتحت ياسمين الباب، ونظرت إليه للمرة الأخيرة. لم تكن هناك دمعة واحدة في عينها. كان وجهها يعبر عن حرية مطلقة، وكأنها خلعت أغلالاً كانت تخنقها لسنوات.
قالت بصوت :
ـ النتائج بدأت يا كريم… واللي جاي مش هيعجبك ولا هيعجب أمك.
خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة، تاركة كريم يقف وحده في الشقة الفسيحة والباردة، بين أطباق الطعام الفارغة، وصمت الجدران الشاهدة على نهايته.

