
ساعات مرت وأنا مش عارفة أروح فين. رجلي أخدتني لبيت أمي.. البيت اللي كان مصدر الأمان بقى زي المقبرة. فتحت الباب بالمفتاح ودخلت. الشقة كانت فاضية، كراكيب رمياها الشرطة لما دخلوا يفتشوا، أوراق مرمية على الأرض، وصورة أمي وأبويا المتوفي متعلقة على الحيطة.
قعدت على الأرض في صالة بيت أمي، وبصيت للصورة وصرخت: “ليه يا أمي؟! ليه عملتي فيا كدة؟! أنا كنت بنتك الحبيبة اللي بتسمع كلامك! ليه تبيعي بيتي عشان تسندي حسام وسمر؟! عملتلك إيه عشان تدمريني بالمنظر ده؟!”
التليفون رن في إيدي.. كان رقم غريب. رديت بصوت مهدود: “أيوة..”
صوت راجل جاد قال: ” الأستاذة أمل؟ أنا الأستاذ مجدي محامي العيلة.. أنا جالي إخطار إن والدتك والأستاذ حسام ومدام سمر معروضين على نيابة التجمع الصبح في قضية السرقة وخيانة الأمانة. والدتك طلبتني وقالتلي أكلمك عشان تيجي تحضري معاهم وتدفعي كفالة أو تقدمي تنازل باسم جوزك!”
ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة طالعة من قاع الوجع: “أحضر معاهم؟! أقدم تنازل؟! أنت عارف أهلي عملوا إيه يا أستاذ؟! أهلي سرقوا جوزي ودمروا بيتي وشردوا بناتي وجوزي طلقني بسببه!”
المحامي سكت شوية وبعدين قال بأسى: “أنا فاهم موقفك يا مدام أمل.. بس والدتك ست كبيرة، وضغطها مرفوع جداً في الحجز، والدكتور تم استدعاؤه ليها مرتين للنيابة، ولو اتحبست احتياطي على ذمة القضية ممكن تجيلها جلطة وتفوت فيها. حسام وسمر هما المحركين للقصة، بس والدتك متهمة أساسية لأنها المستأمنة.”
الكلمات نزلت تقيلة على قلبي. أمي.. أمي اللي شالتني تسع شهور، أمي اللي مهما عملت تفضل أمي.. هسيبها تموت في السجن؟ ولا هقف مع الراجل اللي اترميت في الشارع بسببه ولغالي حياتي؟
في اليوم التالي، الصبح بدري، كنت واقفة قدام سرايا النيابة. عينيا كانت زي جمر النار من كتر العياط. النيابة كانت زحمة، والعساكر واقفين، وشفت القوة وهي داخلة والمتهمين متكلبشين في بعض.
حسام وسمر وطارق كانوا في الأوسط، وأمي كانت ماشية في آخر السلسلة، العكاز في إيد والإيد التانية متكلبشة في يد عسكري! ووشها كان أصفر زي الموت، عينيا جات في عينها.. شفت في عين أمي كسرة ورعب عمرهم ما دخلوا بيتنا. أول ما شافتني، شفايفها اترعش وقالت بصوت ملوش أثر: “أمل.. سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا أمل.”
حسام بصلي بحدة وصرخ وهو ماشي: “اتكلمي مع المحامي يا أمل! هاتي تنازل من صالح قبل ما يتعرضنا على القاضي وننزل سجن الاستئناف!”
أنا وقفت متسمرة، مش قادرة أتحرك. وفي نفس اللحظة، شفت صالح داخل مبنى النيابة ومعه المحامي بتاعه، ووراهم تاجر الدهب بتاع الصاغة اللي اشترى السبايك الأولى والمباحث جابته للشهادة.
صالح أول ما شافني واقفة قدام باب النيابة، عينيه ضاقت بغضب قاتل. قرب مني والمحامي بتاعه جنبه، وقال بصوت حاد سمع الناس اللي واقفه: “جاية ليه يا أمل؟! جاية تدافعي عن العيلة المباركة؟! جاية تتطلبي مني أتصلح مع اللي سرقوني؟!”
بصيت لعين صالح بثبات لأول مرة، وقلت بصوت حاسم: “أنا مش جاية أدافع عن حد يا صالح.. أنا جاية أخد حقي وحق بناتي.”
صالح ضحك باستهزاء: “حقك؟! أنتِ لسه ليكي حق عندي؟! أنا رميتلك ورقة طلاقك عند المحامي النهاردة الصبح! أنتِ مبقتيش مراتي!”
الكلمة نزلت على قلبي زي الرصاصة، بس مدمعتش. ناشفة.. الدموع جفت جوايا. بصيتله وقلت: “طلقتني؟ تمام يا صالح.. ده حقك. بس الدهب ده كان فيه غوايش وسبائك ملكي أنا شخصياً.. دهب شبكتي ودهب أبويا الله يرحمه اللي شيلته معاك في الخليج وجبنا بيه السبايك. أنا ليا أكتر من نص الدهب ده بالأوراق والفواتير اللي مكتوبة باسمي!”
صالح اتصدم، ومحاميه بص بذهول وفتح الملفات اللي معاه يراجع الأسماء على الفواتير.
كملت كلامي بثبات يقشعر له البدن: “طالما بعتني ورميتني وخدت بناتي مني ومنعتني عنهم، يبقى القوانين هي اللي هتتكلم.. الدهب ده مش بتاعك لوحدك يا صالح، والنيابة مش هتسلمك حرز القضية غير لما نحدد حصتي وحصتك! وأنا مش هتنازل عن نصي، ومش هسيبك تاخد بناتي بالقوة!”
صالح خطى خطوة ناحيتي، وشه احمر وعيونه كانت هتطلع من مكانها: “بتهدديني يا أمل؟! بتدخلي معايا في حرب عشان خاطر الحرامية دول؟!”
“لا يا صالح..” قلتها وأنا ببص في عينيه بقسوة لأول مرة في حياتي: “أنا بدخل حرب عشان خاطري أنا وبناتي! أنت افتكرت إني ضعيفة وهسيبك تدوس عليا عشان أهلي غلطوا.. بس أنت نسيت إن أمل اللي استحملت الغربة والفقر معاك أربع سنين، ممكن تتحول لوحش لما تلاقي نفسها اتعرت من كل حاجة!”
في اللحظة دي، العسكري نده على اسم المتهمين واسم المجني عليه لدخول مكتب وكيل النيابة لبدء جلسة التحقيق الحاسمة.
دخلنا كلنا الأوضة.. وكيل النيابة قاعد ورا مكتبه الفخم، والملفات مفتوحة قدامه. المتهمين واقفين في الجانب: حسام، سمر، طارق، وأمي اللي كانت قاعدة على كرسي بتترعش. وصالح واقف في الجانب التاني ومعه محاميه، وأنا واقفة في النص بين الاتنين.. لا مع أهلي اللي خانوني، ولا مع جوزي اللي طلقني وباعني.
وكيل النيابة بص في الأوراق وبعدين رف عينيه لينا كلنا وقال بصوت هادي وصارم: “أنا استعرضت اعترافات المتهم طارق، وتقرير مباحث التموين والصاغة، وأقوال المجني عليه صالح.. الجريمة مكتملة الأركان، والسبائك المضبوطة جزئياً ثبت ملكيتها بالبارکود. بس في نقطة جديدة ظهرت في التحقيقات هتقلب موازين القضية دي تماماً!”
كلنا بصينا لوكيل النيابة بلهفة ورعب.
وكيل النيابة بص للشهادة اللي قدامه ووجه كلامه لحسام وسمر: “التاجر بتاع الصاغة اللي اتمسك معاه السبايك اعترف باعتراف جديد تحت الضغط.. قال إن في كمية دهب ثانية كبيرة جداً اتباعت من تلات شهور لحساب شخص محدد في العيلة، ومبلغها اتحول لحساب بنكي برة مصر!”
صالح صرخ بذهول: “برة مصر؟! لحساب مين يا فندم?!”
وكيل النيابة رف ورقة التحويل البنكي وبص للجميع، وبعدين عينيه استقرت على الشخص اللي محدش كان يتوقع أبداً إن إيده تكون واصلة لبرة مصر.. وقال الكلمة اللي خليت الأوضة كلها تتجمد من الصدمة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




