
الظابط أمر بالتحفظ عليهم جميعاً لعرصهم على النيابة في الصباح. إحنا خرجنا من القسم، الشمس كانت بدأت تشرق على شوارع القاهرة، بس الدنيا جوايا كانت ضلمة زي الكهف.
صالح كان ماشية قدامي ببطء، خطواته تقيلة ومكسورة. مشيت وراه لغاية ما وصلنا للشارع عشان نوقف تكسي. وقفت جنبه وأنا بحاول ألمس إيده: “صالح.. الحق بيرجع، والسبائك هتسترد بالكامل، والنيابة هتجيب باقي الحاجة من بياعين الصاغة اللي اشتروا..”
صالح وقف، وسحب إيده من إيدي بمنتهى البرود والجمود. بصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، بصة شخص غريب كلياً.
“الدهب هيرجع يا أمل..” قالها بصوت هادي يرعب أكتر من الزعيق: “القانون هيجيبلي حقي من أهلك.. بس الحق اللي بيني وبينك ملهوش قانون يجيبه.”
قلبي سقط في رجلي: “يعني إيه يا صالح؟ أنت بتقول إيه؟”
صالح قرب مني وقال بكلمات حادة زي المشرط: “يعني الشقا اللي راح ورجع، كشفلي إن مراتي ملهاش أمان.. إن ثقتك في أهلك كانت أعلى من حمايتك لبيتي ولبناتي. أنا مش هقدر أبص في وشك وأفتكر إن دموع أمك وأخوكي هما اللي كانوا هياخدوا عمري لحسابهم وأنتِ واقفة في النص مخدوعة.”
“صالح أرجوك! أنا مظلومة! أنا أكلت الصدمة زيك!” صرخت وأنا بمسك في هدومه.
صالح نزع إيدي بعنف، وبصلي بثبات قاسي وقال: “أنا راجع البيت ألم هدومي وأخد بناتي.. ورقتك هتوصلك على بيت أمك المهدوم ده يا أمل.. الحساب بيني وبينك انتهى، والقصة دي كشفت كل واحد على حقيقته!”
سابني واقفة في الشارع لوحدي، وركب التكسي ومشي.. وأنا واقفة ببتفرج على طيف العربية وهو بيبتعد، بين نار أهلي الخونة اللي رايحين السجن، ونار جوزي اللي سابني وكسر قلبي في لحظة النصر.
وقفت في الشارع زي التماثيل، صوت موتور التاكسي وهو بيبعد كان بيرن في وداني زي صوت ان hissing صدمة قاضية. الشارع كان يبدأ يصحى، الناس ماشية رايحة شغلها، والأفران بتطلع دخانها، وأنا واقفة بجلابيتي ودموعي ناشفة على وشي، حاسة إن العالم كله بيتحرك وأنا الوحيدة اللي اتجمدت في لحظة خراب كامل.
أهلي في الحجز رايحين النيابة بتهمة سرقة وتشكيل عصابي وخيانة أمانة، وجوزي حبيب عمري ورقة طلافي في السكة وبناتي هيتاخدوا مني! حسيت بركبي بتنمل، والدنيا لفت بيا، وقعدت على الرصيف حاطة رأسي بين إيديا.. “يا رب.. يا رب أنا ذنبي إيه؟ أنا كل ذنبي إني وثقت في أمي! هو حسن النية بقى جريمة يتعاقب عليها البنادم بالموت بالبطيء؟”
ساعتين وأنا مش قادرة أقوم من مكاني، لغاية ما تليفوني رن.. كان رقم جارتي أم عبده اللي البنات عندها. رديت بصوت طالع بالعافية: “أيوة يا أم عبده..”
صوت أم عبده كان مرعوب ومحتار: “أ الحقيني يا أمل! صالح جه أخد البنات والشنط بتاعتهم، وكان بياخد حاجته من الشقة ووشه زي الميتين! البنات عمالين يعيطوا ويقولوا بابا رايح فين ويا ماما تعال معانا، وهو ماسك إيديهم ونزلهم في تاكسي ومشي! قلتله في إيه يا أستاذ صالح قال لي قولي لأمل تسأل على ورقتها عند المحامي!”
الخبر نزل عليا جابلي صرخة مخنوقة في صدري. قمت وقفت بلهفة مجنونة: “أخد البنات؟! أخد البنات ورايح فين يا أم عبده?!”
“معرفش يا بنتي! سألته رايح فين قال لي راجع بلدهم في الشرقية عند أهله.. الحقيه لو تقدي!”
جريت في الشارع زي المجنونة، وقفت أول تاكسي وجريت على محطة الأتوبيسات. كنت بدعي ربنا إن الطرق تكون زحمة، إن الأتوبيس يتأخر، إن أي معجزة تحصل تخليني ألحق بناتي قبل ما يختفوا من حياتي. أربع سنين حرمت نفسي فيهم من قطر، أستحملت الغربة والوحدة عشان أربيهم ويكونوا في حضني، وفي الآخر يضيعوا مني في ثواني بسب خيانة مش إيدي فيها!
وصلت المحطة، كنت بلف بين الأتوبيسات والعربيات زي التايهة، بنده باسم “نور” و”فريدة”.. والناس تبصلي باستغراب وفكروني اتجننت. وفجأة، لمحت صالح من بعيد.. كان قاعد على كرسي خشبي متهالك في صالة الانتظار، حاطط شنطتين كبار جنبه، وماسك إيد نور وفريدة اللي كانوا بيعيطوا ويهزوا في إيده.
اندفعت ناحيتهم زي السهم: “صالح! بناتي! أوعى تعمل كدة يا صالح!”
صالح أول ما شافني، وشه اتغير وجمد، وقف وحط البنات ورا ضهره فوراً كأني وحش جاي يفترسهم. البنات شافوني وجيوا يجروا عليا: “ماما! بابا بيقول مش هنرجع شقتنا تاني وهنعيش في البلد!”
حضنتهم بقوة، مسكت فيهم كأني بمسك في حياتي، ودموعي نزلت تغرق هدومهم: “لا يا حبايب قلبي.. ماما معاكم، مش هسيبكم أبداً.”
صالح قرب وسحب البنات من حضني بقوة وقسوة مكنتش متخيلها فيه، وقال بصوت واطي ومسموم: “أوعي تحطي إيدك عليهم! البنات دول مش هيتربوا في عيلة حرامية! مش هسيب بناتي يتأثروا بأخلاق أهلك اللي سرقوا شقا عمرهم!”
بصيتله وركعت قدامه في وسط المحطة قدام الناس كلها، اتخليت عن كل كبريائي: “عشان خاطر ربنا يا صالح.. اضربني، اموتني، خد الدهب واديني ضرب في الشارع بس متاحرمش من بناتي! أنا ماليش ذنب في اللي أهلي عملوه! أنا اتخدعت زيك وأكتر منك! أمي اللي جابتني طعنتني في ضهري، متكملش أنت عليا وتكسر بقية عمري!”
صالح بصلي بعيون مليانة مرارة ودق على صدره بقوة: “وأنا مين يجيبلي عمري اللي اتسرق؟! مين يرجعلي صحتي اللي راحت في الخليج؟! أنتِ يا أمل كنتِ الباب اللي دخل منه الحرامية لبيتي! لو كنتِ زوجة صالحة بتصوني سر جوزك وماله مكنش ده حصل! أنتِ اخترتي أهلك ووثقتي فيهم على حسابي، ودلوقتي اتحملي نتيجة اختيارك!”
“أنا ما اخترتهومش على حسابك!” صرخت وأنا بقوم أقف قصاده: “أنا شلت الدهب عندهم عشان خفت عليه في بيت العيلة بتاع أهلك أنت! خفت يتسرق من الشقة اللي داخلاها وطالعاها أختك وأخوك! أنا كنت خايفة على مالك يا صالح!”
الكلام نزل عليه زي القلم على وشه. عينيه اتسعت بلحظة الذهول، والجمود اللي في وشه اتهز. خطوة لورا خدها، وكأنه افتكر إن شقتنا فعلاً كانت في بيت عيلته هو وإن المكان مكنش أمان.
بس الخبث والتعب كانوا أعمق من إنه يعترف بغلطه. كابر وقال بصوت حاد: “برضه مكنش يديكي الحق تشيليه عند أخوكي الحرامي من غير ما تقوليلي! الحساب بيني وبينك بقام عند المحامي، والبنات هيروحوا معايا بلدنا، ولو عاوزة تشوفيهم.. القانون بيناتنا يا بنت الأصول!”
مسك إيد البنات وزقني بعيد عنه، وأخد الشنط وركب أتوبيس الشرقية اللي كان بيحرك. وقفت على الرصيف والأتوبيس بيمشي ببطء، البنات كانوا باصينلي من الشباك وبيصرخوا ويدقوا على الزجاج: “ماما! تعالي معانا يا ماما!”.. وأنا يجري ورا الأتوبيس لغاية ما زاد سرعته واختفى في وسط الزحمة.
وقعت على الأرض، الرمل والتراب اتلم على هدومي. حاسة إن الدنيا أخدت مني كل حاجة في يوم واحد: جوزي، بناتي، شرف عيلتي، وكرامتي.




