روايات وقصص

حكايات امانى السيد

ركبت عربيتي وطلعت على بيتي.. بيتي اللي كان فاكر إني هسيبه وأروح لماما وأبكي. فتحت النور، ودخلت الأوضة، وطلعت أصل القائمة، ومؤخر الصداق، وكل الأوراق والمستندات اللي تخصه وتخص الشقة وصور عقود ملونة كنت محتفظة بيها في مكان ما يعرفوش.
مسكت التليفون ورنيت على محامي العيلة.. رد عليا، قلتله بنبرة حاسمة وصارمة:
ـ “أهلاً يا متر.. معلش بكلمك في وقت متأخر، بس عندي ق\ضية حبس قائمة منقولات، وقضايا نفقة زوجية وبدلات، وعايزة أرفعهم بكرة الصبح أول ما المحكمة تفتح.. وقبل ما تسألني ليه، أظن حق أولادي وحقي المادي مش هسيبه لواحد فاكر إنه أذكى من القانون!”
الصبح بدري، المحامي كان قاعد قدامي في مكتبه بيفرّج عينيه في الأوراق اللي رميتهاله على الترابيزة. القائمة بمليون جنيه، مؤخر الصداق، وعقود ملكية وفواتير بكل فتفوتة في البيت. بصلي المتر واستغرب الهدوء الشديد اللي كنت فيه، وقال:
ـ “يا مدام إلفت، أنتِ متأكدة إنك عايزة تبدأي بضرب نار كدة على طول؟ قضايا التبديد والنفقة دي هتخليه يلف حوالين نفسه، ومش بعيد فيها حبس!”
ابتسمت ببرود يرد الروح، وقلتله وأنا بسند ضهري لورا:
ـ “أنا مش عايزاه يلف حوالين نفسه يا متر.. أنا عايزاه يدوخ السبع دوخات، ويلف كعب داير على المحاكم. انزل بإنذار رسمى بتسليم المنقولات الزوجية اللي في شقتنا بكرة الصبح، واطلبلي نفقة زوجية ونفقة للعيال وبدل فرش وغطاء وأجر مسكن وحضانة.. عايزة الشكوى تترفع في كل حتة تقدر توصلها، وعايزة التنفيذ ينزل على قرش قرش يدخل جيبه!”
المحامي هز رأسه وهو بيسجل الملاحظات وقال:
ـ “تمام يا مدام.. هو مسيره يتزنق؛ العفش اللي في شقتكم لو ما سلموش بحالته وبالقطعة زي ما مكتوب في القائمة، هيتلبس في ق\ضية تبديد أعيان أمانة وفيها حبس وجوبي.. غير إن أحكام النفقة وأجر المسكن هتنزل على مرتبه في الشغل فوراً.”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن ناري بدأت تهدى.. بس المشوار لسه في أوله. شريف كان فاكرني الست العبيطة اللي هتقعد تعيط وتتحسر على شبابها اللي راح معاه، وما كانش يعمل حساب إن اللي استحملت قسوته وسكوتها سنين، لما تتقلب، هتهد المعبد على اللي فيه.
عدى يومين، وأنا قاعدة عند ماما، مكملة الدور تمام.. متصلة بيه بصوت هادي كأني مش عارفة حاجة:
ـ “إيه يا شريف؟ أنت فين يا حبيبي؟ طمني عليك، أصلك وحشتني والعيال يسألوا عليك.”
سمعت نفخته العصبية من ورا التليفون، ونبرة القرف اللي متعود عليها وهو بيتصنع المشغولية:
ـ “أنا في شغل يا إلفت، قايلك مسافر وشغال!! أنتِ ما بتشبعيش زن ورغي؟ اقفلي دلوقتي ولما أفضى هبقى أكلمك.. وخليكي عندك عند أمك يومين كمان مش فاضيلك!”
قفلت معاه وأنا بضحك من قلبي.. ياه على الغفلة! هو فاكر إنه بيربيني وبيقرفني عشان أنا اللي أطلب الطلاق وأتنازل، ومش دريان إن محضر المحكمة كان خلاص في طريقه لعنوان شقة أمه وشغله بإنذار تسليم المنقولات وقضايا النفقات!
بعد أسبوع بالتمام، كانت القنبلة فرقعت.
تليفوني رن، ولما بصيت لقيت اسمه بيتحرك على الشاشة زي الصرصار المذعور. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة، وفي الرابعة رديت ببرود قاتل:
ـ “ألو.. خير يا شريف؟”
صوته جالي زي المجنون، بيهرج وبيصرخ، التنفس عنده مقطوع والغل طالع من بين سنانه:
ـ “أنتِ عملتي إيه يا فاجرة؟! أنتِ باعتالي إنذار تسليم قائمة منقولات ورافعة قضايا نفقة وبدل مسكن وحضانة ومستصدرة أحكام على شغلي؟! أنتِ اتجننتي ولا جرى لمخك حاجة؟!”
رديت بكل هدوء الدنيا، وأنا باخد بق قهوة:
ـ “الله! مش ده حق أولادك وحقي المادي يا شريف؟ أنت مش كنت خايف ألبسك في حيطة وأخد منك القائمة والمؤخر والنفقة المتلتلة؟ أنا قلت أختصر عليك الطريق وأريحك من القلق، وأخلي المحكمة هي اللي تحسبها بالورقة والقلم.. بالقرش والدقيقة!”
السكوت خيم على الخط ثواني.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. أدرك في لحظة إن كل حرف قاله وهو ماسك إيد “ست الحسن” في الضلمة، أنا كنت واقفة ورا الباب وسمعاه!
صوته اتقطع، ونبرته تحولت من الصراخ للذهول والخوف:
ـ “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟ أنتِ كنتِ…”
قاطعته بنبرة حادة زي الموس:
ـ “كنت ورا الباب الموارب يا شريف.. سمعت كل كلمة، وشفيت عيني بدلعك وضحكتك اللي عمرك ما ضحكتها في بيتي. سمعت حساباتك المادية وخوفك على قرشينك عشان تدلع بيهم الهانم نادين.. وسمعت خطتك أنت وأمك عشان تطفشوني. بس أنا بقا مش هسيبك، ولا هسيب فتفوتة واحدة من حق عيالي.. العفش اللي في بيتنا هتدخل تسلمهولي بالورقة والقلم، لو حتة ناقصة أو مكسورة هلبسك قض\ية تبديد وأحبسك.. ومرتبك هيتخصم منه نفقات وأجر مسكن قبل ما يدخل جيبك جنيه واحد تدلع بيه الهانم!”
بدأ يتلعثم ويحاول يهدى ويصلح اللي اتكسر بلهفة ميتة:
ـ “إلفت.. استهدي بالله بس، نفهم.. والله أنتِ فاهمة غلط، نادين دي..”
ـ “نادين دي اللي هتقعد معاك على البلاط يا شريف!” صرخت فيها بصلابة هزت سماعة التليفون: “وريني بقى يا ابن المحظوظة هتجيب منين تدلع أميرة قلبك وترضي غرورك وأنت مديون ومتهدد بالحبس ومطلوب منك أجر مسكن ونفقات بالآلاف كل شهر!”

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى