روايات وقصص

حكايات امانى السيد

قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة..
وفي خلال شهور قليلة، كانت اللعبة انقلبت رأساً على عقب.
الأحكام نزلته على الأرض.. المحكمة حجزت على نفقات العيال والزوجية وأجر المسكن من مرتبه مباشرة، وأجبرته يتنازل ويسلم القائمة بالكامل تحت تهديد حبس التبديد. أمه اضطرت ترجع من البلد وهي بتولول لما لقت ابنها متهدد بالسجن وشقته الزوجية اتفضت ورجعتلي، والدنيا اتكركبت فوق دماغهم.
أما الهانم نادين؟ أول ما لقت إن “الدلع” وراه قضايا وحبس وفلس، ودبت المشاكل والفقر في شقة أمه اللي كانوا قاعدين فيها، أخدت بعضها ورجمته بالطلب، ورفعت عليه خلع وسابته يغرق في ديونه ومشاكله لوحده!
وقفت أنا في صحن المحكمة يوم ما أخدت ورقة طلاقي الرسمية وأنا مرفوعة الراس.. بتبصلي أمه بغل وكسرة، وبيبصلي هو بعيون ميتة طافية ما فيهاش غير الرجاء والندم. بصيتلهم وابتسمت نفس الابتسامة الباردة.. أصل اللي فاكر إن الست الطيبة هبيلة، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه على البلاط!
بعد ما استلمت الورقة الرسمية لطلاقي، وخرجت من باب المحكمة، كانت الشمس بره طالعة حامية، بس الجو جوايا كان صافي بشكل ما حستوش من سنين.
ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية.. شوفت “إلفت” التانية، المش الست اللي كانت بتستحمل معاملة حماتها القاسية وتسكت عشان بيتها، ولا الست اللي كانت بتتقفل في وشها الأبواب وتتساب على الرف. شوفت ست قدرت تاخد حقها بالقانون وبدماغ ساحبة كل خطوة بميزان.
تليفوني رن، وكانت ندى.. سلفتي.
ترددت ثانية قبل ما أرد، بس قلت أسمع عايزه إيه.
ـ “ألو.. إزيك يا إلفت؟” صلت ندى بصوت فيه مزيج من التوتر والفضول الشديد.
ـ “الحمد لله يا ندى، في خير؟”
ـ “أنا.. أنا عرفت إن كل حاجة خلصت اليومين دول وأخدتي طلاقك ونفقتك.. والله يا أختي أنا كنت خايفة عليكِ، بس ما كنتش متخيلة إنك هتعملي كل ده في شريف! أنتِ هديتي الدنيا فوق دماغه ودماغ أمه!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لها بكل هدوء:
ـ “أنا مَهدّتش حاجة يا ندى.. أنا بس خليت كل واحد يشيل شيلته. شريف هو اللي اختار يبيع ويكدب ويحسبها بالمادة، وأنا حسبتها معاه بنفس طريقته، بس بالورقة والقلم والقانون.”
سكتت ندى شوية، وبعدين قالت بصوت واطي كأنها بتذيع سر:
ـ “تعرفي إن حماتك قعدت تلعن وتتحسبن في الراحة والجاية؟ وشريف خلاص بقى عايش مع أمه في الشقة، لا طال نادين ولا طال الفلوس اللي كان فاكر إنه هيوفرها.. بقى يمشي في الشارع يكلم نفسه من كتر القضايا والديون اللي عليه، وأمه كل يوم تجيب ناس يتدخلوا عشان تتنازلي عن أجر المسكن والنفقة!”
رديت عليها بنبرة حاسمة قطعت أي أمل عندهم:
ـ “قولي لحماتي يوفروا نهداتهم.. القرش اللي من حق عيالي مش هينزل منه مليم واحد، وأجر المسكن ده دين في رقبته لحد ما العيال يكبروا. اللي كان خايف يلبس في حيطة، هو اللي بنى الحيطة دي بإيده لبنة لبنة.”
قفلت مع ندى، ومشيت بالعربية على بيت ماما. دخلت لقيت الولاد بيلعبوا وضحكتهم مالية المكان. أعدت معاهم، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن صدري مفتوح، ومافيش تقلت الخيانة ولا الوجع اللي كان مكتوم جوايا.
بعد كم شهر، شريف حاول يبعت ناس كبار من العيلة يتوسطوا، وحاول يبعتلي رسائل اعتذار وتوسل على الواتساب، يفكّرني بالأيام القديمة والعيال، ويبين قد إيه هو ندمان وإن نادين دي كانت غلطة وعميّة عين!
قريت الرسائل كأني بقرأ خبر في الجريدة.. من غير أي مشاعر، لا كره ولا حنين.
كتبت له رد واحد بس:
ـ “الأيام القديمة أنت قتلتها يوم ما وقفت تتاجر بحقي وحق عيالك عشان تشتري رضا غيرنا. وفر كلامك للمحكمة، وأي تواصل بعد كده هيكون عن طريق المتر.”
عملت له بلوك، وقفلت الصفحة دي من حياتي للأبد.
ركزت في تربية عيالي، وفي شغلي وحياتي الجديدة. أخدت الشقة اللي تمكنت منها ووضبتها على ذوقي، ورجعت عفشي اللي استلمته بالقطعة، وخليت بيتي مكان دافي وهادي خالٍ من النكد والقسوة.
شريف اتقلب من حياتي لمجرد استقطاع شهري بيتحول من مرتبه للمحكمة كل أول شهر.. درس اتعلمته بالغالى: إن السكوت مش دايماً طيبة، وإن اللي يحسبها معاك بالقرش والخيانه، مالوش عندك غير بالقانون وبأقسى رد!
بعد ما قفلت الباب تماماً في وش شريف ورسائله المقتضبة، كنت فاكرة إن قصة “نادين” انتهت عند حد الخلع والجري أول ما المادية اتزنقت.. بس الدنيا أثبتتلي إن الساقي لازم يسقى بما سقى، وكما تدين تدان، بالظبط وبنفس الكأس.
عدت السنين، وبحكم إن الدنيا صغيرة، والأخبار في عائلاتنا بتلف وترجع، عرفت باللي جرى لهانم الدلع من ندى سلفتي، بس المرة دي ندى كانت بتتكلم وهي مذهولة من تدبير ربنا!
نادين بعد ما هربت من شريف ورفعت عليه الخلع عشان تنجد بجلدها من الفلس والقضايا، كانت فاكرة إن جمالها ودلالها هيفتحولها أبواب الجنة، وإنها تقدر تصطاد “صيد جديد” يعوضها عن التجربة اللي فشلت فيها.
فعلاً، ما كملتش سنة وكانت اتجوزت راجل أعمال مريش، أكبر منها بكتير، عنده فلوس مالهاش حصر، وشقة في أرقى حتة. افتكرت إنها وصلت، وشافت نفسها على الكل، وقعدت تتباهى بسبايك الذهب والفساتين والدلع اللي غرقت فيه.
بس اللي نادين ما حستش بيه، إن اللي بيتبني على خراب بيوت، ما بيعمرش أبداً.
زوجها الجديد ده كان طالع من تجارب جواز متعددة، وثعلب سوق فاهم كل الألاعيب. ما كملتش معاها سنة الجواز الأولى، حتى اكتشفت إنه ما بيتسجلش باسمها قشرة بصلة! كان كاتب كل أملاكه، وشققه، وحتى العربيات اللي بتركبها باسم أولاده من مراته الأولى، ومكتّفها بعقود تنازل وتعهيدات قانونية كانت هي بتوقع عليها وهي مغمية عيونها بالهدايا والشوبينج.
والأنكى من كده؟ إنه كان راجل قاسي جداً وشكّاك لأقصى درجة. كان حاطط عليها حراسة ومراقبة في كل خطوة بتمشيها، وممنوع تخرج ولا تروح ولا تيجي إلا بإذنه، وممنوع تشوف أهلها غير فين وفين. الدلع اللي كانت بتمثله على شريف والرقص على جراح غيرها، اتحول لسجن من ذهب!
وفي يوم، لما حاولت تتنطط عليه وتطلب الطلاق أو تهدده زي ما عملت مع شريف، ضحك في وشها ببرود وقالها:
ـ “أنتِ فاكرة نفسك مين يا شاطرة؟ أنتِ حتة ديكور في بيتي! تدلعي وتاكلي وتشربي وتسكتي.. إنما حقوق وفلوس؟ أنتِ طالعة من الجوازة دي بلباسك، ولو فكرتي تفتحي بقك أو ترفعي ق\ضية، أنا عندي أسطول محاميين يلبسوش قضايا وتدفعي اللي فوقك واللي تحتك!”
ولما زادت في العناد وجربت تلعب لعبة المحاكم، كان قارئها صح.. رماها في الشارع في ليلة وما حيلتهاش مليم، ورفع عليها قضايا إثبات نشوز وتدليس، وخرجت من عنده زي ما دخلت، لا طالت قرش ولا طالت قيمة، وسيبها للشارع بفضايح.
الأمر اللي كسرها بجد ونهى على بقايا غرورها، إنها اضطرت ترجع تعيش مع أمها في نفس المنطقة، وصورتها اللي كانت بتتباها بيها قدام قرايبها اتهزت بقت الأرض. بقت تمشي وشتيمتها على كل لسان، والكل عارف إنها دخلت بيوت الناس خربتها وخرجت منها على المافيش.
حتى شريف لما عرف باللي جرى لها، بدل ما يحن لها أو يزعل عليها، بقى يضحك بسخرية وشماتة ويقول للأقارب:
ـ “ربنا جابلي حقي منها.. دي كانت حية وحصلت جزاها!”
سمعت القصة دي كلها وأنا قاعدة في صالون بيتي الجديد، بشرب قهوتي في هدوء، والولاد بيلعبوا حواليّ. ما حسيتش بشماتة.. حسيت بس بإحساس غريب بالعدالة الإلهية.
نادين وشريف كانوا فاكرين إنهم أذكياء، وإنهم يقدروا يبنوا سعادتهم على أنقاض بيتي ودموع ولادي.. بس نسيوا إن دايرة الزمن بتدور، وإن الحساب في الدنيا بيتدفع كاش وقبل الآخرة.
قفلت ملف نادين وشريف من دماغي للابد، وبصيت لمستقبلي ولولادي وأنا عارفة إن حق العبد ما بيضيعش، طالما أخد حقك بالقانون واستودعت الباقي عند رب العباد!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى