روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

​جمعت شجاعتي، ونزلت شقتهم تحت.. لقيت حمايا قاعد بيشرب الشاي في الصالة. وقفت قدامه وأنا قلبي بيدق من الخجل والتوتر، وحاولت أختار كلماتي بأعلى درجات الأدب والاحترام.

​قلتله: “يا بابا.. معلش أنا أسفة إني بتكلم في الموضوع ده، بس أنا حابة أفهم من حضرتك حاجة عشان راحتك وراحتنا..”

بص لي باستغراب، فكملت وأنا وشي بيحمرّ: “حضرتك دايماً بتفضل تطلع تستخدم الحمام فوق عندنا، وتقول إنه بيريحك.. فلو فيه أي مشكلة في حمام شقتك تحت، أو حاجة مش مريحة في السباكة أو القعدة، قولنا ونحاول نصلحها أو نغيرها فوراً عشان تكون مرتاح في شقتك وما تتعبش نفسك في طلوع السلم كل شوية..”

​حمايا سكت لحظة، وبص لي بنظرة غريبة جداً، وبعدها اتكلم واللي عرفته وقتها فاجأني لدرجة خلتني أقف مكاني مش عارفة أرد ولا أستوعب اللي سمعته!!!!

حمايا اتعدل في قعدته، وحط كوباية الشاي على الترابيزة بالراحة، والنظرة الغريبة اللي كانت في عينيه اتحولت لملامح فيها كسوف شديد ومخلوطة بوجع وتوتر ما شفتهمش عليه من يوم ما دخلت البيت ده. فضّل ساكت كام ثانية، عينيه مش قادرة تيجى في عينيا، وصوابع إيديه عمالة تفرك في بعضها كأنه طفل صغير بيتعاقب على غلطة مش بإيده، أو كأن سر كبير ومحرج بقاله سنين شايله جوة قلبه وأخيراً جه الوقت اللي مجبور يطلعه.

تنحنح بصوت واطي وقالي بنبرة مكسورة تماماً: “يقدر قدرك يا بنتي.. وعارف إنك مكسوفة وأنا والله العكس صحيح، أنا خجلان منك ومكسوف من نفسي أكتر ما تتخيلي.. وعارف إن طلوعي ونزولي الشقة عندك بضيقك ومكتفك في بيتك، وبخليكي مش واخدة راحتك وأنتِ لسة عروسة جديدة، بس والله العظيم يا آلاء يا بنتي.. الموضوع ملوش أي دعوة بسباكة، ولا سيراميك، ولا بالقعدة تحت أو فوق.. السر مش في الحمام نفسه يا بنتي”.

أنا وقتها وقفت متسمرة، ضربات قلبي كانت مسموعة من كتر التوتر والذهول، ومبقتش فاهمة حاجة.. السر مش في الحمام؟ أمال السر في إيه؟ كملت بص على حمايا وأنا مستنية اسمع منه التفسير اللي يحل اللغز اللي طير النوم من عيني وشقلب حياتي في أول شهر جواز.

حمايا طأطأ رأسه في الأرض وبدأ يتكلم بصوت مبحوح ومكتوم، كأنه خايف حد يسمعه حتى لو كانت حماتي اللي كانت جوة في المطبخ: “أنا يا بنتي من أكتر من خمس سنين، جالي مرض نادر في الأعصاب وبكتيريا شديدة أثرت على المثانة والجهاز البولي.. المرض ده بيخليني محتاج أدخل الحمام في أوقات متقاربة جداً وبطريقة فجائية وبدون أي إنذار.. بس دي مش المشكلة الحقيقية يا بنتي.. المشكلة الأكبر إن المرض ده أثر على قدرتي على التحكم كلياً، ومبقاش ينفع أدخل غير حمام طبي ومصمم بطريقة معينة، أو أستعمل مادة مطهرة معقمة شديدة الحساسية والتركيز ولازم تتحط في المية وعلى الأسطح قبل ما أستعمل الحمام، والمادة دي أرياحها قوية جداً وتعتبر سامة لو حد استنشقها وهو عنده حساسية صدرية.. وحماتك يا آلاء.. حماتك عندها رابو شديد وحساسية حادة جداً على الرئة، والدكتور محذرنا تحذير شديد إنها لو استنشقت المادة دي أو أي أرياح كيميائية قوية من دي ممكن يجيلها أزمة تنفسية حادة وتتردد على المستشفى في الإنعاش، وده حصل فعلاً من سنتين وقعدت في العناية المركزة أسبوعين وكان هيروح فيها عمري ونفسي بسبب المادة اللي بستخدمها!”

حمايا مسح دمعة نزلت من عينيه بسرعة وبصلي بعيون ملبانة كسوف وكمل كلامه: “أنا وقتها قطعت المادة دي، وأصبحت بمر بعذاب يومي لا يطاق في حمام شقتي تحت، آلام رهيبة ومضاعفات صحية ملهاش أخر، ولما جوزك بدأ يجهز شقتكم فوق عشان الجواز.. أنا استأذنت العمال والسباك من وراكم كلكم، وخليته يركب نظام فلترة ومادة تعقيم أوتوماتيكية جوة صندوق الطرد بتاع حمامكم فوق، وكمان غيرت نوع المواسير والسيفون لنوع معالج طبياً على حسابي الخاص وأنا بجهز معاكم الشقة، وعملت ده فوق عشان أقدر أستخدم المادة المعالجة والفلتر فوق بعيد عن حماتك ومن غير ما تشم الريحة أو تتأذى، وفي نفس الوقت أقدر أتعالج وأستريح من الآلام الرهيبة اللي بعيشها كل يوم تحت بدون ما أعرض حياتها للخطر!”

أنا بقيت واقفة مش قادرة أستوعب كمية الصدمة.. حمايا مش بيطلع يضايقني ولا بيطلع يرخم عليا، الراجل بيطلع يهرب من عذاب صحي ونفسي بيعيشه تحت، وفي نفس الوقت بيحمي مراته وأم ولاده من الموت!

كمل حمايا كلامه ونبرة الكسوف زادت في صوته: “أنا مكنتش قادر أقول لابني ولا لأي حد في الدنيا.. موضوع محرج جداً بالنسبة لراجل في سني، وخفت لو قلت لابني يروح يقول لحماتك أو تحس إنها العائق فتزعل وتتحسر على نفسها، وخفت أقولك أنتِ بالذات فتشمئزي مني أو تحسي إن شقتك مبقتش ملكك.. فكنت بأجي على نفسي وأطلع وأنا عارف إنكم بتضايقوا، وكنت بحاول أخلص في ثواني وأشرب المرار وأنا نازل على السلم من الخجل منكم.. أنا آسف يا بنتي.. آسف إن سببيلك الضيق ده في أول أيام جوازك، والله العظيم لو عايزاني متطلعش تاني خالص مش هطلع، وهحاول أستحمل الألم تحت وخلاص ربنا يتولاني!”

في اللحظة دي، حسيت بنغزة جامدة في قلبي.. حسيت بقد إيه أنا كنت ظالمة الراجل ده في سري، واد إيه كنت بحكم على الظاهر ومن غير ما أفهم المعاناة الحقيقية اللي ورا تصرفه اللي كنت شايفاه غريب ومستفز. الدموع اتجمعت في عيني، ومبقيتش عارفة أقوله إيه ولا أعتذر له إزاي على الأفكار اللي كانت بتدور في دماغي طوال الفترة اللي فاتت.

قلتله بنبرة كلها رجاء واحترام: “يا بابا استغفر الله العظيم! حضرتك بتقول إيه؟ يتعب مين وأسف إيه بس؟ والله العظيم أنا اللي أسفة إن خليتك تضطر تحكي وتتكسف بالطريقة دي.. الشقة شقتك والمكان مكانك في أي وقت، وحضرتك تطلع وتنزل زي ما تحب ومن غير ما تستأذن ولا تحس بأي حرج أبداً، سلامتك وصحتك بالدنيا كلها يا بابا، ويا ريتك كنت قلتلي من الأول عشان أريحك وأوفر عليك أي كسوف!”

حمايا بصلي بامتنان شديد وابتسامة مكسورة وقال: “ربنا يباركلك يا بنتي ويصلح حالك وحال جوزك.. بس أرجوكي يا آلاء، السر ده يفضل بيني وبينك.. مش عايز حماتك تعرف أي حاجة، ولا عايز جوزك يعرف عشان ميتكشفش السر قدام أمه، هي لو عرفت إنها السبب في معاناتي وطلوعي نازلي كده هتتعب نفسياً جداً، وأنا مش عايز أضايقها”.

وافقت فوراً ووعدته إن الموضوع يفضل طي الكتمان وما يخرجش برة الشقة دي أبداً. رجعت طلعت شقتي فوق وأنا دماغي بتلف، ومشاعري متلخبطة بين الارتياح إن الغموض اتفك، وبين الحزن الشديد على حالة حمايا والتفكير في إزاي أقدر أنظم حياتي وحياته بحيث هو يرتاح وأنا كمان أقدر أعيش في بيتي بحرية من غير ما أضغط عليه أو أحسسه بالكسوف.

دخلت الشقة، لقيت جوزي قاعد في الصالة مستنيني، وعينيه كلها تساؤل وقلق، وسألني بسرعة أول ما شافني: “إيه يا آلاء؟ نزلتِ تحت ليه؟ كلمتِ أبويا؟ أوعي تكوني زعلتيه أو قلتيله حاجة تضايقه!”

وقفت مكاني ثواني، وأفتكرت وعدي لحمايا.. يا ترى هقول إيه لجوزي دلوقتي؟ وإزاي هبررله تغير موقفي المفاجئ من المشكلة اللي كنت مقومة الدنيا بسببها من كام ساعة بس؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى