عام

زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 3

وقف الأستاذ طارق قدام باب مركز الشرطة، وتلفت ناحيتي وهو بيعدل نضارته بكل هدوء ومسؤولية:

* “مدام سمر.. متأكدة إنك عايزة تقابليه قبل ما تتحركي على المطار؟ المواجهة دي مالهاش لازمة قانونية، الحقوق خلاص استرديناها بالكامل، وأمر طلاقك للضرر هيصدر غيابياً أو حضورياً بقرار المحكمة.”

مسكت يد شنطة السفر الصغيرة اللي معايا، وبصيت للمبنى الجاهِم قدامي بثبات مشبهتش بيه نفسي في أي يوم فات:

* “لازم أشوفه يا متر.. مش عشان أشمَت فيه، ولا عشان أسمع منه اعتذار مالوش قيمة.. لازم أشوفه عشان أحط النقطة الأخيرة بنفسي، وأخرج من البلد دي وأنا قافلة الصفحة دي للابد ومفيش جوه قلبي غير الهدوء.”

هز رأسه بتفهم ودخلنا.

المكان كان حار، وريحة الأوراق والمطهرات مالية الممرات الضيقة. قعدت على كرسي خشب في أوضة الزيارة المغلقة، والأستاذ طارق وقف عند الباب. بعد دقائق قليلة.. اتفتح الباب الحديد، ودخل إبراهيم.

المنظر كان صادم.. الراجل اللي كنت شايفاه من أسبوعين بس بكامل أناقته وثقته، واقف دلوقتي بهدوم مجعدة، وشه شاحب، وتحت عينيه سواد مرعب، وإيديه متكلبشة بالحديد قدامه. عينيه كانت زاغية وفيها انكسار وذل لا يمكن يوصف.

أول ما شافني قعد قصادي على الترابيزة الخشبية.. حاول يرفع إيديه المتكلبشة يغطي بيها وشه من الخجل، وصوته خرج مبشوح ومكسور:

* “سمر.. جيتي؟ جيتي عشان تشوفي النهاية اللي وصلتيها لجوزك؟”

بصيت له بكل هدوء، وقلت بنبرة هادية ومجردة تماماً من أي انفعال:

* “أنا ما وصلتكش لحاجة يا إبراهيم.. أنت اللي مشيت بنفسك في الطريق ده خطوة بخطوة. من أول يوم فكرت فيه إن الغربة تبرر الخيانة، لحد اليوم اللي زورت فيه إمضتي عشان تسرق بيتي في مصر.”

دمعة نزلت من عينيه، وبدأ يهز رأسه بحسرة:

* “أنا اتعميت يا سمر.. والله اتعميت. نيفين ضحكت عليا ومسكت عليا زلة، ولما لقيت كل حاجة بتهرب مني، الشيطان دخل بيننا وزقني للتزوير عشان أضغط عليكِ وترجعيلي. أنا دلوقتي اترفدت من الشغل، الشقة راحت، الفلوس اتسرقت، والشركة رفعت عليا قضايا بالشكايات المكسورة، وقضية التزوير دي ممكن تحبسني هنا سنتين وتتسبب في ترحيلي بفيشة سودة!”

رفع إيديه بالكلبشات وبيترجاني:

* “بوس إيدك يا سمر.. أتنازلي عن قضية التزوير بس! سيبيني أرجع مصر أعيش بين أهلي حتى لو مفلس ومكسور، بلاش السجن والغربة والتخشيبة دي! اعتبريها حسنة.. اعتبريها عشان خاطر أيامنا الحلوة زمان!”

ابتسمت ابتسامة باهتة وخفيفة، ابتسامة الست اللي أدركت حقيقة الشخص اللي عاشت معاه في وهم:

* “أيامنا الحلوة؟ أنت سبت فيها حاجة حلوة يا إبراهيم؟ أنت قتلت كل ذكرة جميلة يوم ما سمعتك بودني بتقول لغيري ‘إنتي مراتي وحبيبتي ومفيش حد يأخد مكانك’. أنت ما فكرتش في أيامي الحلوة ولا في صبري سنتين وأنا بطفح الدم عشان أعملك قيمة وسند. أنت فكرت في نفسك وبس.. والنهاردة، القانون هو اللي بيفكر في حقك.”

* “يعني مش هتتنازلي؟” سأل وهو بينظر لي بذهول وعينين ماليانة رعب.

وقفُت من على الكرسي، وعدّلت الشال اللي على كتفي، وبصيت له للآخر مرة في عينه:

* “التنازل معناه إني بقرّ إنك كنت صح، وإني أستاهل الإهانة والسرقة. أنا خدت حقي بكرامتي والقانون.. الشقة في مصر رجعت لأهلها، وحق حاتم أخويا رجع، ومؤخري ومستحقاتي المحكمة حكمت بيهم. أما السجن والورطة اللي أنت فيها، فدي مش انتقام مني.. دي نتيجتك الطبيعية اللي زرعتها بإيدك. ربنا يمهل ولا يهمل يا إبراهيم.”

التفتّ واديت له ضهري..

صرخ بصوت هز الأوضة وهو بيبكي بكاء هيستيري والحديد بيرن في إيده:

* “سمر! أرجوكي ما تمشيش! سمر سامحيني يا سمر!”

ما بصلتوش ولا خطوة لورا. مشيت بخطوات ثابته وواثقة باتجاه الباب، وخرجت للهوا المفتوح بره مركز الشرطة. الأستاذ طارق كان مستنيني بابتسامة احترام:

* “كده ملفك اتأفل تماماً يا مدام سمر.. وباسبورك وتذكرتك معاكي، والمطار مستني.”

شكورته من كل قلبي، وركبت عربية التاكسي المتجهة للمطار.

طول الطريق للمطار، كنت بص على الشوارع المباني اللي كانت في يوم من الأيام حلم بالنسبة لي، الحلم اللي تحول لكابوس، والكابوس اللي انتهى بصلابة وعزة نفس.

وصلت المطار.. خلصت إجراءات الجوازات بلمسة واحدة على البصمة الإلكترونية، وقعدت في صالة الانتظار مستنية الإعلان عن الطيارة المتجهة للقاهرة.

فتحت التليفون.. لقيت رسالة من أخويا حاتم:

“البيت منور ومستنيكي يا سمر.. والشقة اتفتحت ورجعت بحكم المحكمة باسمك، وأمي بتدعيلك في كل صلاة.”

قفلت التليفون وابتسمت.. ابتسامة حقيقية طالعة من جروح طابت بعد ما اتطهرت بالحق.

أعلن الصوت الداخلي عن بدء صعود ركاب الرحلة متجهة إلى القاهرة..

قمت، مسكت شنطتي بإيد ثابتة وقوية، ومشت في ممر الطيارة.

سبت بره مصر الخيانة، والغدر، والضعف، وإبراهيم وكل آلامه.. ورجعت لبلدي وأهلي، مش مكسورة ولا ضحية، بل ست خرجت من النار أشد وأقوى، وعرفت إن الكرامة أهم ألف مرة من ظل راجل ما يصونش الأمانة.

تمت.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى