روايات وقصص

حكايات ميرا1

وقفت مريم في ممر الطائرة تجمدت الدماء في عروقها، عيناها معلقتان بظلال سارة وهي تتسلل بنعومة ناحية خزانة الطاقم الخلفية. المكان كان شبه خالي، أغلب الركاب مشغولين بالاطمئنان على الرجل المسن، والأنوار خافتة لتناسب الرحلة الصباحية.

لم تندفع مريم، ولم تصرخ. سنوات عملها في الضيافة علمتها كيف تتحكم في ملامحها حتى وهي تحترق من الداخل. اختبأت خلف ستار الفاصل وقامت بسحب هاتفها بسرعة، ممسكة إياه بزاوية توثق كل حركة.

مقالات ذات صلة

شاهدت سارة تفتح الخزانة بيدين ترتجفان، وبحثت بعينيها حتى وقعت على الشنطة الزرقاء الخاصة بمريم. سحبتها سارة بحذر، وفتحت السوستة العلوية، ثم أخرجت ظرفًا أصفر مقفولاً من حقيبتها الشخصية ودستْه في العمق، تحت أدوات التجميل والأوراق الخاصة بمريم، ثم أعادت إغلاق الخزانة تمامًا كما كانت.

كل شيء تم في أقل من أربعين ثانية.

أعادت سارة شعرها إلى الخلف، والتفتت تعود إلى مقعدها وبصمة نصر زرقاء تلمع في عينيها. لم تكن تعلم أن عدسة الهاتف سجلت كل حركة بدقة فائقة.

عندما مرت سارة بجانب مريم، لم تلاحظ وجودها في الظل. تراجعت مريم للورا، وقبل أن تتجه لأحمد أو سارة، فتحت الشنطة الزرقاء فورًا. أخرجت الظرف الأصفر. لم يكن مغلقًا بغراء قوي، بل كان شريطًا لاصقًا خفيفًا. فتحته بحذر، وحين أخرجت ما بداخل، اتسعت حدقتا عينيها وصدمتها الفكرة.

كانت هناك مجموعة من الأوراق الرسمية المختومة، وإيصالات تحويلات مالية ضخمة بأسماء شركات وهمية، وأحدث كشف حساب لمنظمة غير حكومية تعمل بها سارة، وبجانب الأوراق… فلاشة صغيرة بلون فضي.

الأوراق كانت تحمل توقيع أحمد!

لم تكن القصة قصة خيانة زوجية أو حب سري بين خطيب وصديقة عماد. أحمد وسارة كانا يختلسان أموالاً ضخمة من المؤسسة التي تديرها سارة وتخدمها استشارات أحمد المالية. وكان القانون قد بدأ يضيق الخناق عليهما. والحل الوحيد للخروج من المأزق؟ زرع الدلائل والملفات الصريحة في متعلقات مريم، لتكون هي الضحية التي تقع في قبضات الأمن فور هبوط الطائرة!

الخطة كانت شيطانية بامتياز: تلفيق الجريمة لمريم قبل الفرح بأيام، لتسقط في تحقيقات تسلبها حريتها، بينما يختفي الاثنان بالمال المتبقي خارج البلاد كـ “شاهدين” أو هاربين لا يعلم بأمرهم أحد.

احمرت عين مريم، لكن دموعها كُتمت. غضب عارم تحول إلى برود تام.

أخذت الظرف الأصفر والملفات والفلاشة، وأخفتهم تمامًا في جيب جاكيتها الداخلي المقفل بسوستة، ثم أخذت الشنطة الزرقاء وفارغتها تمامًا، ووضعت مكان الأوراق ملفًا عاديًا من مستندات الطوارئ الخاصة بالطائرة مجرد أوراق تعليمات لا قيمة لها، وأعادت الشنطة مكانها.

التفتت ومشت بثبات نحو مقدمة الطائرة.

دخلت غرفة القيادة بعد الاستئذان. كان الكابتن نبيل يتابع أجهزة الملاحة. التفت إليها بملامح جادة:

— مريم؟ قلتي لي في مشكلة في الصف 8، وبعدها حصلت حالة الإغماء. فيه حاجة تانية؟

أخرجت مريم هاتفها، واقتربت منه.

— كابتن نبيل… اللي هتشوفه دلوقتي مش مجرد مشكلة شخصية. دي محاولة لتوريطي في قضية أموال عامة واختلاس، والطيارة دي حاليًا فيها أدلة حية.

فتح الكابتن الفيديوهات التي سجلتها مريم، وشاهد سارة وهي تزرع الظرف. ثم أخرجت مريم الملفات الأصلية والفلاشة وأرتها إياه.

انبهر الكابتن نبيل وساد الصمت لثوانٍ في كابينة القيادة.

— إنتي متأكدة من الكلام ده يا مريم؟ الراجل ده خطيبك؟

— كان خطيبي يا كابتن… لحد من ساعتين. حاليًا هو وشركته بيمثلوا خطورة، وممكن يحاولوا يستردوا الشنطة أو يتخلصوا مني لو حسوا إن الخطة فشلت.

سحب الكابتن نبيل الميكروفون المباشر للتواصل مع السلطات الأمنية بمطار القاهر الدولي، وقام بتشفير المكالمة:

— برج المراقبة… معكم رحلة 712. لدينا بلاغ أمني داخلي وشبهة جنائية لتزوير وتدليس في الجو. نطلب وجود شرطة الأموال العامة وأمن المطار فور الهبوط على المدرج.

في هذه الأثناء، في الصف رقم 8، كان التوتر يبدو جليًا على أحمد.

همس لسارة:

— إنتي متأكدة إن محدش شافك؟

ردت سارة بابتسامة ثقة خبيثة:

— متأكدة جداً. الشنطة الزرقا بقت ملغومة. أول ما ننزل المطار، هعمل بلاغ سريع إن مريم بتنقل مستندات مشبوهة في شنطتها. الشبهة هتمسك فيها فورًا، والبوليس سينشغل بيها، ونكون إحنا أخدنا شنطنا وخرجنا في الزحمة على طيارة دبي.

لكن أحمد لم يكن مرتاحًا. نظرات مريم الهادئة جدًا وهي تتنقل بين الركاب كانت ترعبه. مريم التي يعرفها كانت لتبكي، لتصرخ، لتواجهه وتفتعل مشاجرة تملأ الطائرة. لكن هذا الهدوء… كان أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة.

بعد نصف ساعة، بدأ صوت الكابتن عبر مكبرات الصوت:

«السادة الركاب، نرجو ربط الأحزمة، نستعد الآن للهبوط في مطار القاهرة الدولي.»

قامت سارة وتبادلت نظرة سريعة مع أحمد. ابتسم الاثنان، معتقدين أن اللعبة انتهت لصالحهم وأن القادم هو القضاء النهائي على مريم.

في تلك اللحظة، مرت مريم بجانبهم لجمع بقايا أكواب المشروبات.

نظر إليها أحمد بنظرة تجمع بين الارتباك والبرود، بينما ابتسمت سارة ابتسامة صفراء وقالت بنبرة خبيثة:

— يا خسارة يا مريم… شكلك تعبانة أوي. كان لازم ترتاحي عشان الفرح.

وقفت مريم، انحنت قليلاً نحو سارة، وقالت بصوت هادئ جداً لا يجمعه إلا اليقين:

— الفرح بيتأجل يا سارة… بس الحساب ما بيتأجلش. والشنطة الزرقا… طلع فيها مفاجأة مش هتعجبك خالص.

اتسعت عيون سارة،  ضحكة أحمد المزيفة.

قبل أن يستوعبا الجملة، أضاءت لمبة مدرج الهبوط، ولمست عجلات الطائرة الأرض بقوة… وفي الخارج، كانت سيارات الشرطة السوداء بإناراتها الحمراء والأزرق تنتظر الطائرة بالفعل على أرض المطار.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى