
اندفعت قوات الشرطة داخل الشقة، وأضواء الكشافات عتمة المكان. كان المشهد سينمائياً ومرعباً؛ أطباء الإسعاف يحملون جنى بحرص لنقلها إلى المستشفى تحت حراسة مشددة، بينما طوق رجال المباحث الشقة وبدأوا في جمع الأدلة وتفتيش حقائب إيهاب والمواد التي أفرغها الطبيب. كنت أسير كالمغيبة، أقبض على يد ابنتي في سيارة الإسعاف، وعقلي معلق بذاك التفجير الذي هز الشارع.
في المستشفى، خضعت جنى لملاحظة دقيقة في قسم العناية المركزة. المصل أحدث معجزة حقيقية؛ بدأت البقع الحمراء تختفي تدريجياً، وعاد نبضها إلى معدلاته الطبيعية، وزال التهاب الجلد كأنه لم يكن. أكد الأطباء أنها تجاوزت مرحلة الخطر تماماً وأن جسدها يتخلص من آثار المادة السامة بسرعة، لينزيح عن صدري كابوسٌ دام شهرين كاملين.
-
حكايات امانى السيد 1منذ يوم واحد
-
مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 1منذ يومين
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2منذ 3 أيام
-
حكايات امانى السيد 1منذ 3 أيام
لكن الجحيم لم ينتهِ عند هذا الحد. تم استدعائي فوراً للتحقيق في مقر النيابة العامة. هناك، كشف لي وكيل النائب العام عن المفاجأة التي لم تكن يخطر ببالي؛ إيهاب لم !
كان قد افتعل لتضليل العصابة الدولية؛ حيث ألقى بالحقيبة في السيارة وقام بتعشيق ناقل الحركة لتندفع بالأشجار قبل أن ، بينما قفز هو في الظلام واستسلم فوراً لأول دورية شرطة كانت تقترب من المكان، يقدم لهم نفسه والأوراق والوثائق السرية التي تُدين هذه الشبكة مخططاتهم في تجارة المواد الكيميائية التجريبية.
بعد ثلاثة أيام، سمحت لي النيابة بزيارة إيهاب في محبسه قبل تحويله للمحاكمة. كان يرتدي ملابس البيضاء، وجهه نحيل، لكن عينيه كانتا تحملان استسلاماً وراحة لم أرهما فيه منذ سنوات.
جلس أمامي يفصل بيننا حاجز زجاجي، ورفع الهاتف ليقول بصوت خافت: “سمر.. جنى عاملة إيه؟”.
رددت عليه بنبرة هادئة خالية من أي مشاعر: “جنى خفت ورجعت بيتها.. الحمد لله المصل جاب نتيجة”.
أغمض عينيه ودمعة واحدة تحدرت على خده، ثم قال: “أنا عارف إنك مش هسامحيني، ولا بطلب منك ده. أنا أخطأت لما فكرت إني أقدر ألعب مع الشياطين دول ولوحدي، وأخطأت لما رضخت وأخدتك كبديل للمصل من غير ما أعرف إن قدر ربنا هيدفع بنتنا للهاوية دي.. أنا مستعد لأي ، المهم إنكم بخير”.
نظرت إليه طويلة، كلامه وقُلت بصلابة: “أنا مش حزينة عليك يا إيهاب.. أنا حزينة على السنين اللي عشتها فاكرة إني مع رجل بيحميني، وطلع بيتاجر بحياتي عشان ينقذ نفسه. أنت سلمت نفسك للشرطة عشان تفلت من بره، بس الحقيقة إنك قتلت أماننا في البيت ده للابد”.
وضعت السماعة وقمت من مقعدي، دون أن ألتفت لوجه الباكي أو محاولاته للنداء عليّ.
مرت الأيام، وأغلقت القضية بعدما تحولت إلى رأي عام وشبكة دولية تم تفكيكها بالتعاون مع الإنتربول، وصدر حكم بسجن إيهاب سنوات طويلة عن والتستر والتورط في نقل مواد خطرة.
عدت إلى بيتي مع جنى، فتحنا النوافذ لتدخل الشمس من جديد، ومسحنا كل أثر للماضي المظلم. ورغم أن أيدي جنى عادت سليمة تماماً ولا تحمل أي أثر للبقع، إلا أن الدرس المُر ظل حافراً في قلبي؛ أن بعض الهدايا التي تأتي مغلفة بالحب والاهتمام، قد تحمل في طياتها هلاكاً لا يخطر على بال، وأن الأمان الحقيقي هو ألا تسلم عقلك وحياتك لأحد، مهما كان قريباً.







