
“
قفلت الباب في وشها قبل ما تسمعردي، وحطيت جردل المية على الأرض وقعدت ألطم على وشي بسكوت عشان فالح ما يحسش.
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2منذ 3 ساعات
-
حكايات امانى السيد 1منذ 10 ساعات
-
حكايات نور محمدمنذ 10 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 10 ساعات
بعد ساعتين، بعد ما نظفت تحته بمية الجردل بالعافية وشربته الشوربة، الموبايل بتاعي رن. كان المتصل أستاذ رمزي المحامي.
فتحت الخط وقلت بزهق:
ـ “نعم يا أستاذ رمزي.. في حاجة جديدة؟”
رد المحامي بصوت رسمي جاف:
ـ “أيوة يا سعاد. المدام مروة أصلحت أمر بضرورة حضورك أنتِ وفالح بكرة الصبح الساعة عشَرة في مستشفى التجميل والاستشارات الطبية في المهندسين.”
استغربت جداً وقلت بلهفة:
ـ “مستشفى؟ ليه؟ هي مروة هتعالج فالح على حسابها؟ هل في أمل يعمل عمليات وتصليح لوجهه وعينيه؟”
ضحك المحامي ضحكة قصيرة وقال:
ـ “تعالي غداً في الميعاد المظبوط، والمدام مروة واللجنة الطبية هيفهموكي كل حاجة.”
الليل ده ما نمتش لحظة واحدة. الأمل الخايب بدأ يلعب في دماغي. قلت في سري: “يمكن مروة قلبها حن؟ يمكن لما شافت ابنها نجح وبقت غنية، قررت تسامح فالح وتعالجه وتعمله عمليات التجميل اللي الأطباء قالوا عليها زمان؟ يمكن ربنا يهديا وترجعلي شوية من آدميتي؟”
صحيّت فالح الصبح بدري، لبسته أحسن هدوم عنده رغم إنها كانت واسعة ومبهدلة عليه، وغسلت وشه بمية دافية، وحطيت قطرة العين، وسندته بالعافية ونزلنا. ركبنا تاكسي طلبته بالفلوس اللي فاضلة معايا، وطول الطريق فالح كان ماسك في إيدي وبيترعش وبيسألني كل دقيقة:
ـ “سعاد.. إحنا رايحين فين؟ مروة هتعالجني يا سعاد؟ هترجعلي بصري؟ قوليلي إنها هترجعلي عيني!”
كنت أطبطب عليه وأقوله: “ادعي يا فالح.. ادعي ربنا يلين قلبها.”
وصلنا المستشفى. كان مبنى فخم جداً، أطباء ببالطو أبيض، وريحة نضافة وتعقيم. دخلنا غرفة كشف كبيرة فيها لجنة مكونة من ثلاثة أطباء استشاريين، وكانت مروة قاعدة على كرسي جلد فخم في ركن القاعة، ومعاها المحامي رمزي.
مروة كانت طالعة زي الملكات؛ لابسة عباية سوداء مطرزة بالفضة، ولابسة نظارة شمسية فاخرة رعتها على رأسها أول ما دخلنا.
أنا مسكت فالح وقعدته على الكرسي بالعافية، ووقفت جنبه متوترة.
ابتسمت مروة ببرود وقالت للأطباء:
ـ “اتفضلوا يا دكاترة.. افحصوا الحالة واكتبوا التقرير النهائي اللي طلبته منكم.”
الدكاترة بدؤوا يفحصوا وشه فالح، يفتحوا جفونه الملتصقة بأجهزة، يقيسوا الاستجابة العصبية لجسمه ولجلده . وفالح كان خايف وبيترعش وبيقول: “يا دكتور.. في أمل أشوف؟ في أمل الوجع يروح؟”
بعد نص ساعة من الفحص والتداول بين الدكاترة، الكبر فيهم مسك التقرير وبص لمروة وقال بنبرة طبية جافة:
ـ “يا مدام مروة.. بناءً على الفحص الدقيق، الحالة وصل لمرحلة التلف الكامل في الأنسجة العصبية والبصرية. من الدرجة الثالثة المتقدمة أكلت القرنية والشبكية، والتشوه في الوجه والرقبة أصلح غير قابل للإصلاح حتى بأحدث عمليات التجميل والترقيع. أي تدخل جراحي حالياً هيكون مجرد إهدار للمال ومخاطرة بحياته، والحالة محتاجة فقط رعاية تلطيفية ومسكنات يومية للسيطرة على الآلام.”
أول ما الدكتور قال الكلام ده، فالح انهار وبدأ يصرخ ويبكي بصوت يقطع القلب:
ـ “لااااا! يا دكتور أرجوك! اعملي أي عملية! خدو كليتي وادوني عيني! أنا مش عايز أعيش أعمى وضلمة كده!”
أنا دموعي نزلت، وبصيت لمروة وقلت لها بكسرة:
ـ “مفيش أمل خالص يا مروة؟ مفيش أي مستشفى برة مصر تقدر تعالجه؟”
مروة قامت من على الكرسي ببطء، وجت وقفت قدامنا. بصت لفالح المنهار على الكرسي، وبعدين بصتلي أنا.
طلعت من شنطتها تقرير ثاني مطبوع، وقالت بصوت هادي أبرد من الثلج:
ـ “أنا عارفة النتائج دي من قبل ما آجي يا سعاد.. أنا جيبتكم هنا وجبت أكبر دكاترة في مصر مش عشان أعالجه.. أنا جبتكم عشان أثبت بالتقرير الطبي الموثق إن فالح أصبح عاجزاً عجزاً كلياً مستديماً وغير قابل للشفاء.”
سألتها برعب:
ـ “وليه بتثبتي كده؟ عايزة إيه تاني؟”
ابتسمت مروة ابتسامة نصر قاتلة، وقالت للمحامي:
ـ “اقرأ عليهم القرار يا أستاذ رمزي.”
المحامي طلع أوراق رسمية مختومة بختم النسور وقرأ بصوت جاف:
ـ “بناءً على التقرير الطبي الموثق بعدم قابلية المريض فالح للشفاء وثبوت عجزه الكلي، أصدرت محكمة الأسرة حكماً نهائياً بتسديد جميع المستحقات والديون المتأخرة عليه لصالح موكلتي المدام مروة من أصل التركة، مع إلغاء كافة حقوقه في الإشراف على أي ممتلكات أو السكن الحُر، ونقله بصفة رسمية تحت الوصاية الكاملة لمؤسسة الرعاية، أو إبقائه في سكن الخدم التابع لملكية الوريث القاصر أحمد بشرط قيام القائمة بالرعاية (سعاد) بالتوقيع على عقد إقرار بالخدمة والرعاية الكاملة بدون أي مطالب مالية مستقبلاً!”
أنا بقيت بصة للمحامي وبصة لمروة مش فاهمة، أو بمعنى أصح.. مش عايزة أفهم حجم المصيبة.
مروة قربت مني، ومسكت التقرير ورمته في حجري، وقالتلي بصوت واطي يقطّع العرق:
ـ “فهمتي يا سعاد؟ التقرير ده بيقفل آخر باب أمل كان عندكم. أخوكِ مش هيرجع يصبر، ومش هيرجع يشوف، ومش هيرجع معاه جنيه واحد. أنتم دلوقتي بقيتم رسمي تحت إيداي بالقانون وبأوراق المحكمة. الـ ألفين جنيه اللي بديهالك كل شهر.. بقت هي أصل دخلك الوحيد في الدنيا دي كلها. هتفضلي تقعدي تحت رجليه، تنظفي قرفه، وتديه المسكنات عشان ما يصرخش، وتعيشي في الشقة اللي بقت ملك لابني أحمد، لحد ما واحد فيكم يروح لربنا!”
فالح كان قاعد يسمع الكلام وهو بيصرخ ويبص في الضلمة، بيحاول يمسك في هدوم مروة ويقول:
ـ “سامحيني يا مروة! اغفريلي يا أم أحمد! أنا آسف.. أنا كنت ندل وحقير! ارحميني يا مروة!”
مروة سحبت طرف عبايتها الفاخرة من إيده برفض وقرف، وقالت وهي بتبص له من فوق:
ـ “الرحمة راحت يوم ما سيبتني في الشارع وبخلت عليا وعلى ابنك باللقمة وأنت معاك ملايين.. اتهنى بالضلمة يا فالح، وأنتِ يا سعاد.. اتهني بشغل الشغالة اللي كنتِ عايزة تجيبيني أعمله عندك!”
سابتنا مروة وخرجت من المستشفى وهي مرفوعة الرأس، ومشي وراها المحامي والأطباء بيحيوها باحترام.
فضلت أنا وفالح قاعدين في القاعة الفاضية. هو بيصرخ ويبكي على الأرض، وأنا ماسكة التقرير الطبي والأوراق في إيدي، وببص للسقف النظيف الفخم بتاع المستشفى، وأنا عارفة إننا طالعين منه راجعين على مقبرتنا القديمة.. عشان أبدأ جولة جديدة من المسح والنظافة والخدمة.. في القصة اللي ما ليهاش نهاية!
مرت شهور وسنوات، والأيام بقت بتجري زي مية وسخة في قناة مسدودة. الأمل اللي كان بيلوح زمان إن في معجزة ممكن تحصل أو إن مروة قلبها يلين،
فالح بقى مجرد هيكل عظمي متغطي بجلد مشوه ، الحركة عنده تقريباً، ومفاصل إيديه ورجليه اتيبست في وضعية انحناء مرعبة. صوته اللي كان زمان يصرخ ويهز البيت، اتمحى وبقى عبارة عن حشرجة ضعيفة يادوب بتتسمع لما أقرب ودني من بقه. والذاكرة عنده بدأت تتآكل؛ بقى ينسى الأسماء، ينسى إننا في القاهرة، ينسى إن هلا سابته وهربت من سنين، وكان يصحى في نص الليل يصرخ بصوت مخنوق ويسألني: “يا سعاد.. هي هلا اتأخرت في الكوافير ليه؟ قولي للسواق يجهز العربية عشان نلحق العشا في شرم!”
أنا كنت بمسح دموعي الناشفة، وأبص له بنظرة مفيهاش غير المرار، وأرد عليه ببرود: “نام يا فالح.. هلا راحت، والعربية اتباعت، والشرم بقت بعيدة أوي علينا.”






