
أما أنا، فجسدي ابتدى يخونني. ضهري اللي انحنى من كتر شيل فالح ومسح البلاط وجلي المواعين، بقى يوجعني بوجع دائم مش بيروح حتى وأنا نايمة. إديا اتهرت من المية والكلور، وظوافري اتقطعت وتكسرت، وبشرة وشي انكمشت وشابت قبل الأوان. بقيت لما أبص في المراية المكسورة في الحمام، ما أعرفش الست اللي واقفة قدامي.. هل دي سعاد؟ ولا دي النسخة الجديدة من مروة زمان؟ بل بالعكس، مروة زمان كان عندها أمل، لكن أنا ما بقاش عندي أي حاجة أنتظرها غير الموت.
وفي يوم من أيام الشتا القارص، والبرد كان بينخر في العظام، والكهرباء مقطوعة كالعادة، جالي إخطار جديد مع الأستاذ رمزي المحامي. المحامي ما بقاش يجي بنفسه كبرياءً، بقى يبعت صبي من عنده في المكتب يرميلي الظرف الأبض وفيه الـ ألفين جنيه، وياخد توقيعي على إيصال استلام الأمانة والخدمة.
-
حكايات امانى السيد 1منذ 6 ساعات
-
مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 1منذ 19 ساعة
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2منذ يوم واحد
-
حكايات امانى السيد 1منذ يومين
بس المرة دي، مع الظرف، كان في كارت دعوة فخم جداً، أبيض ومطرز بدهب حقيقي، ومكتوب فيه بخط رقعة أنيق:
“يتشرف المهندس أحمد فالح بحضوركم حفل تخرجه من كلية الهندسة – الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبحضور والدته السيدة مروة.”
مسكت الكارت وإيديا بترتعش. أحمد ولد فالح.. كبر، واتخرج من أكبر جامعة، وبقى مهندس! الولد اللي فالح رماه وكان عايزه يعيش في الفقر والجهل عشان يتجوز هلا ويخلف منها عيال “أنظف”، كبر بفلوس فالح وبشقا مروة، وبقى مهندس ماليه هدومه، وما يعرفش عن أبوه غير إنه نكرة أو رجل عاجز مات بالنسبة له من زمان!
دخلت الأوضة على فالح، وقعدت جنبه على الأرض. حطيت الكارت قدام عينيه المُنطفية، وصصرخت في ودنه السليمة:
ـ “فالح! اسمعني يا فالح! ابنك أحمد اتخرج النهاردة من كلية الهندسة! بقى مهندس يا فالح! مروة عملت حفل كبير في الجامعة الأمريكية وعازمة المحافظ ورجال الأعمال!”
فالح حرك رقبته المشدودة بالعافية، وحاول يفتح جفونه الملتصقة، وطلعت منه نبرة مبحوحة ومكسورة:
ـ “أحمد؟.. ابني أنا؟.. أحمد جاء يشوفني يا سعاد؟ جابلي معاه الدوا واللحمة؟”
دموعي نزلت بسخونة على وشي، وقلتله بقسوة:
ـ “يجي يشوفك إيه يا فالح؟ أنت بالنسبة له مش موجود! مروة كشفتله الحقيقة كاملة لما كبر، قالتله إن أبوه رماه وهو طفل عشان يجرِي ورا النسوان والعز، وإن أمك هي اللي شالتك وعملتك راجل! أحمد لو شافك النهاردة مش هيعرفك.. أنت بالنسبة له الغريب اللي أمته!”
فالح حط إيديه المكتوية على وشه، وبدأ يبكي بكاء مرير، بكاء راجل أدرك إن حياته كلها اتسرقت منه، وإن العقاب ما كانش بس الحروق والعمى، العقاب الحقيقي كان إنه يشوف ثمرة عمره بتكبر وتزهو بعيد عنه، وهو محبوس في جحر ضلمة ملوش أي قيمة!
وفي الموعد المحدد لحفل التخرج، أنا ما قدرتش أقاوم الفضول والغل اللي كان بياكل في قلبي. سبت فالح نايم بعد ما اديته جرعة مسكن قوية، ولبست عبايتي القديمة وطرحتي، ورحت عند مقر الجامعة من برة.
وقفت ورا السور الحديدي العالي، وسط الشجر، مستخبية زي الحرامية، بتفرج على العربيات الفاخرة وهي داخلة وخارجة، والطلاب والطالبات بالروب الأسود وقبعات التخرج.
وفجأة.. شفتهم!
نزل أحمد من عربية مرسيدس بيضاء أحدث موديل. كان طالع زي الفلك، طول بعرض، وشه ينضح بالذكاء والجمال والهيبة، لابس روب التخرج وماسك في إيده شهادة تقدير.
ومن الباب التاني للعربية.. نزلت مروة!
مروة كانت ساحرة. لابسة فستان فاخر بلون الزمرد الأخضر، وحجاب حرير أبيض، والمجوهرات بتلمع على رقبتها وإيديها. كانت ماشية مرفوعة الرأس، والابتسامة مالية وشها، وكل الناس ورجال الأعمال والعمداء بالجامعة بيسلموا عليها ويحيوها باحترام شديد كأم مثالية ورائدة أعمال ناجحة.
أحمد قرب من أمه مروة، وحضنها قدام كل الناس، ووطى على إيدها باسها، وأخد قبعة التخرج بتاعته وحطها على رأسها وهو بيبكي من الفرحة ويقول بصوت عالي مسموع:
ـ “الشهادة دي مش ليا يا أمي.. الشهادة دي ليكي أنتِ! أنتِ اللي تعبتِ، أنتِ اللي شقتي، وأنتِ اللي صنعتيني من العدم لما أقرب الناس لينا رمانا في الشارع!”
الناس كلها قعدت تسقف وتصفق بحرارة، ومروة كانت بتاخد الحضن وعينيها بتلمع بفخر وعز لا يوصف.
أنا كنت واقفة ورا السور، بدمع وبشهق بالبكاء ورا الشجرة. كنت بشوف المشهد ده وأفتكر يوم ما مروة كانت بتيجي عندي الشقة، تبكي وتطاطي رأسها عشان تاخد الـ ١٥٠ جنيه، وأنا أقولها “المفروض تخدميني ببلاش”. دلوقتي مروة بقت هي المَلكة، وابنها بقى الأمير، وأنا وأخويا بقينا القمامة اللي اترمت في مزبلة التاريخ!
التفتت مروة فجأة ناحية السور.. كأنها حست بوجودي، أو كأن عين الشر والغل اللي طالعة مني لمستها.
بصت ناحية الشجرة اللي أنا مستخبية وراها. شافتنِي!
ما ارتبكتش، ولا خبت وشها. وقفت مكانها، وابتسمتلي نفس الابتسامة الباردة الشاحبة بتاعة ليلة الفيلا. رفعت كاس العصير اللي كان في إيدها في الهواء ناحيتي، كأنها بتمسيني، كأنها بتقولي: “شفتي يا سعاد؟ شفتي العدل لما يكتمل؟”
وبعدين التفتت لابنها أحمد، وأخدته من إيده ودخلوا القاعة الكبيرة للجامعة، والأبواب المذهبة اتقفلت وراهم، وسابوني واقفة برة في البرد والشارع، زئير السيارات بياكل في صدري.
رجعت الشقة وأنا مش حاسة برجليا. فتحت الباب، لقيت ريحتها جير ومطهرات ودم ميت. فالح كان صحي من المسكن، وقاعد على الأرض بيحاول يزحف ناحية المطبخ عشان يدور على مية، وكوباية الماستك اتكسرت تحت إيديه والدم كان ينزل من صوابعه.
قعدت على الأرض جنبه، وما حاولتلكش أنظف الدم ولا أرفعه.
فالح رفع وشه الأعمى وقال بصوت مرعوب:
ـ “سعاد؟ أنتِ جيتي؟ أحمد اتخرج يا سعاد؟ قال إيه عني؟ سأل عليا؟”
بصيتله بأعطس ونظرة ميتة، وقلتله بصوت أبرد من برودة الشارع:
ـ “أحمد اتخرج يا فالح.. بقى مهندس أقد الدنيا. وقال قدام مصر كلها إن أمه مروة هي اللي عملته، وإن أبوه كان مجرد كابوس وانتهى.. أحمد حط القبعة على رأس مروة وقالها ‘أنتِ ملكتي’.”
فالح حط وشه في الدم اللي على البلاط، وبدأ يصرخ صريخ مكتوم، يضرب جبهته المحروقة في الأرضية المكسورة، وبيستغيث بالمرض والموت عشان يريحه من الوجع.
أنا قمت ببطء، جابت الجردل والممسحة، ودلقت المية والكلور على البلاط حوليه، وبدأت أمسح.. أمسح الدم، وأمسح القرف، وأمسح البكاء بتاعه، وأنا عارفة إن الجزء الأخير من حياتنا قرب يتقفل.. بس النهاية مش هتكون رحمة، النهاية هتكون الحساب الأخير اللي كلنا هنشهده!
مرت سنتان إضافيتان، ووصلت رحلة العذاب إلى محطتها الأخيرة، المحطة التي لم يكن فيها مكان لأي أمل، بل كان الجحيم فيها يكتمل في صوره.
في تلك الأيام، كان فالح قد فقد كل مقومات الحياة البشريّة. لم يعد يزحف، ولم يعد يملك حتى القدرة على الحشرجة أو البكاء. جسده المنهك تيبّس بالكامل، والقروح أكلت ما تبقى من جلده حتى وصلت إلى العظام. كان يرقد على تلك المرتبة المفعوصة في الأوضة الجوانية، كأنه هامدة ترفض الروح أن تفارقها إلا بعد أن تستوفي آخر قطرة من العذاب.
وفي ليلة شتاء شديدة البرودة، وبينما كانت الرياح نوافذ المكسورة، سمعت صوته يخرج كأنه ينبعث من قاع بئر عميق. كان ينادي باسمي بنبرة خافتة للغاية. دخلت عليه الغرفة، ورأيت عينيه المنطفئتين متثبتتين نحو السقف الضلمة.
رمس بصوت ميت وقال: “سعاد… أنا شايف نور… شايف مروة واقفة بعيد ومسكة إيد أحمد… قولي لها تسامحني يا سعاد… قولي لها تخرجني من الضلمة دي…”
جلست على الأرض بجانبه، ولم أعد أشعر بأي غل أو شفقة؛ كان قلبي قد تحجر تماماً. مسكت إيده الباردة المشوهة، وقلت له بصوت خافض: “المسامحة مش هنا يا فالح… المحكمة اتقفلت في الدنيا، وفاضل محكمة السماء.”
سكن جسده فجأة، وأخرج نفساً طويلاً أخيراً، وانطفأت أنفاسه للأبد. مات فالح في تلك الضيقة المظلمة، مات أعمى، مشوهاً، لا حيلة له ولا مال، بعد أن أخذ عقابه كاملاً غير منقوص عن كل لحظة ظلمها لمروة ولكل من حوله.
عندما أدركت أنه فارق الحياة، لم أصرخ ولم ألطم. اتصلت بالشرطة وبالمحامي الأستاذ رمزي. وفي خلال ساع ممتلئة برجال الإسعاف والمباحث لإتمام إجراءات الدفن الطبيعية.
وفي الصباح، أُقيمت الجنازة. لم يمشِ فيها أحد من معارفه أو أصدقاء الماضي، ولا حتى هلا التي نسيها ونسيته منذ سنوات. كنت أسير خلف النعش وحدي بعبايتي السوداء المتهالكة. ولكن عند باب المقابر، توقفت سيارة سوداء فخمة.
نزل منها الشاب المهندس أحمد، ونزلت خلفه مروة. كانت ترتدي الثياب السوداء الشيك، وتقف بوقار وهيبة. لم تقترب مروة من النعش، بل وقفت على بعد خطوات تراقبه وهو تحت التراب.
بعد أن انتهى الدفن، جاء أحمد ووقف أمامي لثوانٍ. نظرت في وجهه، فرأيت ملامح فالح الشابة القديمة، لكن بعيون مروة ونظرتها الصارمة. لم يقل لي كلمة واحدة، بل وضع في إيدي مظروفاً أبيض، ثم التفت ومشى مع أمه وركبا السيارة وانطلقا.
فتحت المظروف وأنا أقف وسط المقابر في الشتاء؛ كان فيه عقد القديمة، ومعه ورقة رسمية ومبلغ مالي.
كتبت مروة في الورقة بخط يدها الأنيق:
“يا سعاد… مات فالح وانتهى حسابه في الدنيا، وأحمد ابني قرر يسيبلك دي تنازل رسمي تعيشي فيها اللي فاضل من عمرك، والمبلغ ده إكرامية مني ليكي… مش عشان بحبك ولا عشان سامحتك، بس عشان تبقي قاعدة في الشقة دي لوحدك، افتكري كل يوم لما تشوفي الأوضة الصالون والحيطان اللي كنتِ بتمسحيها، إن الظلم ليلته قصيرة، وإن السحر بيلف ويرجع على الساحر. عاشرتك خدامة بأجرك، وتسيبك دلوقتي خدامة لذكرياتك وذنبك.”
رجعت إلى الشقة المفردة الصامتة. فتحت الباب، فاستقبلتني ريحة المطهرات والكلور القديمة. جلست على الكنبة التي كنت أقعد عليها زمان وأنا ألقي لمروة الـ ١٥٠ جنيه وألزمها بالخدمة.
بصيت حوليا… الصالة فاضية، الأوضة الجوانية فاضية، والمكان كله بقى يسوده صمت مرعب. أدركت في تلك اللحظة أن عقابي الحقيقي لم يبدأ إلا الآن.
فالح مات واستراح من عذابه وجروحه، ومروة وأحمد عاشا في قمة العز والنجاح والعدل، أما أنا… فبقيت حية في هذا المظلم، أطوف بين جدرانه، أسمع صدى صريخ أخويا في الليل، وأرى طيف مروة وهي تمسح الأرضية بكسرة، وأتذكر كيف صنعت بيدي وبطمعي وبخبثي الذي التف حول رقبتي ورقبة أخويا.
أمسكت الممسحة والجردل في منتصف الليل، وبدأت أمسح بلاط الصالة الفاضية بدموعي، وأنا أعلم أنني سأقضي بقية عمري في هذه الشقة، أغسل تراب الذنب الذي لا يزول أبداً، في قصة انتهت بالعدل الكامل، ولم تترك والندم.








