
جدتي بصلتي بابتسامة دافية وخبيثة في نفس الوقت، وقالتلي وهي بتعدل طرحتها:
— أول ما قعدت وجت تزنق عليا، هي اللي زقت الشنطة برجلها بغشومية تحت الكرسي، فسمعت صوت الغطا وهو بيتفك وحسيت بالمية بتتسرب بالراحة… كنت هأنبهها من أول ثانية، بس لما لقتها بتتكلم عن سنّي وتقول الناس اللي زايي ماينفعش يسافروا… قلت أسيب القوانين الإلهية تاخد مجراها يا حبيبي!
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة2منذ 6 ساعات
-
حكايات امانى السيد 1منذ 13 ساعة
-
حكايات نور محمدمنذ 13 ساعة
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 13 ساعة
ضحكت من قلبي وحضنت إيدها.
لكن رحلتنا ما انتهتش عند النقطة دي…
بعد نص ساعة من الهدوء، والطيارة مطارة فوق السحاب، وبينما جدتي بصة من الشباك ومبهورة بالمنظر لأول مرة في حياتها…
فجأة، النور الداخلي للطيارة طفى ورجع اشتغل بسرعة، وصوت إنذار خفيف دوي في الجو، وطاقم الضيافة بدأ يتحرك باضطراب غير عادي ناحية مقدمة الطيارة…
جدتي مسكت إيدي بقوة وقالتلي:
— هو إيه الصوت ده يا بني؟ هي الطيارة مالها بتتهز كده؟
بدأت الطيارة تتهز هزات خفيفة متقطعة، وصوت المحركات بره بقى له صفير غير عادي. الكابتن فتح المايك وصوته كان فيه نبرة محاولة لتهدئة الركاب:
— سيداتي سادتي، بنمر حاليًا ببعض الاضطرابات الهوائية المفاجئة، يرجى من جميع المسافرين ربط أحزمة الأمان والالتزام بالجلوس في أماكنهم.
الناس جوه الطيارة بدأ يعلو صوتهم بالهمس والخوف، والاضطراب زاد لما لمحت واحدة من المضيفات بتجري بسرعة باتجاه المطبخ الأمامي وهي بتستدعي زميلتها بصوت واطي لكنه مشدود.
جدتي مسكت إيدي بجمد شديد، وعينيها راحت ناحية المضيفة وقالتلي بصوت وطي:
— المضيفة دي خايفة يا بني… وشها أصفر، ومش موضوع هواء وخلاص.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط جامد جاي من أخر الطيارة، وتحديدًا من ناحية الكرسي اللي راحت قعدت فيه الست إياها جنب الحمام!
الست بدأت تصرخ بصوت عالٍ وهي طالعة تجري في الممر وبتشاور وراها برعب:
— الحقونا! فيه ريحة شياط ودخان طالع من الكابينة اللي ورا! الطيارة بتولع!
الكلمة نزلِت على الركاب زي الصاعقة. حالة من الفوضى والذعر سادت بين الناس، كل واحد بدأ يقوم من كرسيه ويصرخ، وطاقم الضيافة بيحاول يسيطر على المواقف بالعافية ويجبر الناس تقعد في أماكنها عشان التوازن.
المضيفة الرئيسية أخدت طفاية حريق صغيرة وجريت لورا بسرعة ومعاها واحد من الطاقم.
وسط كل الهيصة دي والناس اللي بتصرخ والأطفال اللي بتبكي، جدتي بصتلي بمنتهى الثبات اللي في الدنيا، وقالتلي بصوت هادي ومطمئن أغرب من الموقف نفسه:
— تقرأ سورة يس معايا يا حبيبي؟ ولا تخاف… اللي حفظنا في الأرض هيحفظنا في السماء.
بدأنا نقرأ، وسبحان الله، الهدوء بدأ يتسرق لقلبي وسط كل الرعب اللي حوالينا.
بعد دقائق مرت كأنها سنين، الدخان بدأ يخف، والمضيفة رجعت ووشها متغطي بالعرق، وفتحت المايك وهي بتتأوه من التعب وقالت:
— بنعتذر للجميع، كان فيه ماس كهربائي بسيط في جهاز تسخين الوجبات الخلفي وتم السيطرة عليه بالكامل وطفاية الحريق اشتغلت فورًا، مفيش أي خطورة على الطائرة، والكابتن بدأ بالفعل إجراءات الهبوط الاضطراري في أقرب مطار للاطمئنان على السلامة العامة.
الناس كلها اتنفسِت الصعداء، وبعضهم قعد يبكي من كثرة الشد العصبي.
الطيارة بدأت تنزل بالتدريج وتخترق السحاب الكثيف… ومن الشباك اللي جنب جدتي، بدأت الغيوم تتفرق واحدة واحدة.
وفجأة، والشمس بتشرق من بين السحاب، ظهر تحتينا خط أزرق لا نهائي بيلمع تحت أشعة الشمس…
الطيارة كانت بتهبط فوق المدينة الساحلية، والبحر ظهر بالكامل قدام عيون جدتي لأول مرة في حياتها.
جدتي سكتت تمامًا… دموعها نزلت على خدها بالراحة وهي باصة للشباك ومبهورة بالمنظر اللي يسرق العقل، ونسيت كل الرعب والخوف اللي عشناه من دقائق.
بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية وقالتلي:
— شكل البحر من فوق أحلى بكثير مما كنت بحلم يا بني… ربنا ما يحرمك من الفرحة زي ما فرحت قلبي.
عجل الطيارة لمس الأرض وأعلنت المضيفة وصولنا بسلامة الله.
ونزلنا من الطيارة وأنا ماسك إيد جدتي وبنستعد نخرج للشارع ونروح الشاطئ ونبدأ حكايتنا الحقيقية مع البحر…
أول ما باب المطار اتفتح وخرجنا للهواء الطلق، نسيم البحر البارد ضرب في وشنا.
جدتي وقفت مكانها، أخدت نفس طويل وعميق، وغمضت عينيها وهي بتستطعم ريحة اليود في الهواء، وابتسامة راحة دافية اترسمت على وشها كأن كل سنين التعب راحت في لحظة.
مسكت إيدها وتوجهنا فورًا للفندق اللي حجزته، وكان مباشر على الكورنيش.
أول ما فتحت باب الغرفة وطلعت بيها على البلكونة… البحر كان قدامنا ممتد لآخر أفق العين، أمواجه بتخبط بانتظام وصوت المية بيبعث الهدوء في الروح.
جدتي قربت من السور بخطوات بطيئة، حطت إيدها عليه وبصت للمية ودموع الفرحة اتجمعت في عينيها تاني، وقالتلي بنبرة كلها خشوع:
— سبحان الخالق يا بني… ياه! العمر ده كله عشته ومحرمة نفسي من الجمال ده؟ المصحف الشريف لما كان بيكلمنا عن البحر والمية، ماكنتش متخيلة إنه بالبهاء والاتساع ده كله!
قعدتها على الكرسي في البلكونة، وجبتلها كوباية شاي بالنعناع زي ما بتحبها، وقعدت تحت رجليها على الأرض وسندت رأسي على ركبتها.
فضلت تطبطب على شعري وتدعيلي أدعية طالعة من أعماق قلبها، وتتفرج على منظر الغروب والشمس بتغرق بالراحة جوه المية وتلون السماء بألوان البرتقالي والأرجواني.
وفي المساء، أخدتها ونزلنا مشينا على الشاطئ نفسه… خلعت جزمتها وخليت رجلها تلمس المية الدافية والرملة النعامة لأول مرة.
قعدت تضحك زي الأطفال وهي بتشوف الموج بيجري تحت رجليها ويرجع تاني، ونسيت خشونة الركبة وألم المفاصل وكل سنين عمرها الـ 86.
في اللحظة دي، وأنا شايف الفرحة الحقيقية بتنور عينيها، عرفت إن كل قرش وفرته وكل تعب تعبته علشان الرحلة دي كان يستاهل ألف مرة.
الست اللي في الطيارة كانت فاكرة إن العمر بيحدد حياتنا، لكن جدتي أثبتتلي إن الروح لما تحب تفرح، مفيش أي سن في الدنيا يقدر يوقفها.






