روايات وقصص

سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

— “أختي سحر اتخانقت معايا الصبح عشان بتقولي الأكل مالهوش طعم والبيت زفر، وأخويا ساب الشقة ومشي وزعلان، وأمي ضغطها عليّ وودينها المستشفى! وجوزي اتصل بيا من السفر وبيقولي إنه راجع بكرة الصبح ومستني الشقة تكون زي الفل ومترتبة! أنا مش عارفة أعمل إيه يا هدى، تعالوا الحقوني ألم الشقة دي قبل ما جوزي يرجع ويطلقني!”

هدى (أخدت نفس هادي وبصيت من شباك العربية المكيفة على الطريق السريع):

مقالات ذات صلة

— “والله يا فريدة.. احنا دلوقتي على الصحراوي راجعين القاهرة في عربيتنا الملاكي النظيفة. المشاكل دي أنتِ اللي صنعتيها بإيدك لما افتكرتِ إن عزومة الناس سخرة واستغلال. شقتك وأهلك وجوزك مسئوليتك أنتِ.. ادخلي المطبخ واطبخي، واغسلي كومات الهدوم، وكله في البحر يا فريدة!”

فريدة سكتت وزورها اتسد، ومقدرتش تنطق بكلمة ثانية بعد ما رديت عليها بنفس كلماتها البجة اللي قالتها لي في أول يوم!

قفلت الخط للقصة والأبد، وبصيت لنسرين وابتسمنا الاثنين. العربية كانت ماشية بكل سلاسة، الهواء البارد ينعش الجو، وروحنا راجعة للقاهرة مرفوعة الراس، بكرامة محفوظة وابن راجل عرف يصون أمه ومراته ويخليهم أميرات في عين الكل.

وصلنا القاهرة والشمس كانت بتبدأ تميل للغروب. العربية المكيفة نزلتنا لحد باب البيت في الحي بتاعنا، والسائق كتر ألف خيره نزل الشنط وحطها عند باب العمارة. طلعت أنا ونسرين خطوتنا خفيفة، وشنا مفرود ومفيهوش نقطة إجهاد واحدة من السفر، بعكس ما مشينا أول مرة في الميكروباص المكسر.

أول ما فتحنا باب الشقة، لقينا “تامر” مستنينا في الصالة، البيت كان بريحته النظيفة النظيمة، وهو واقف بابتسامته الحنينة ويا دوبك شافنا جرى علينا وأخدني في حضنه، وبعدين بَس رأس مراته “نسرين” وقالها:

— “نورتوا بيتكم يا غاليين.. حمداً لله على سلامتكم. يارب تكونوا اتبسطتوا والكسرة اللي فريدة حاولت تكسرهالكم اتمحت من قلوبكم؟”

مسكت إيد ابني وبستها بحب ودموع في عيني:

— “ربنا يباركلي فيك يا تامر يا ابني.. أنت كبرت بينا وصنت كرامتنا، وجبت لنا حقنا وزيادة من غير ما نعمل مشاكل ولا نعلي صوتنا. المصيف بقى مصيف بجد من بعد ما تدخّلت.”

نسرين بصت له وبكل امتنان قالت:

— “ربنا يخلك لينا يا تامر، والله لولا موقفك ورجولتك كنا زماننا لحد النهاردة واقفين بنغسل في رملة عيلة طنط فريدة ونطبخ في الحر، ومكنش حد هيحس بينا.”

تامر بص لي بعيون جادة ونبرة حاسمة:

— “الموضوع ما انتهى يا أمي.. اللي فريدة عملته ده مش مجرد سوء معاملة، دي قلة أصل وإهانة متعمدة. عمي “عادل” جوزها راجع من السفر النهاردة بالليل زي ما عرفت، وأنا مش هسيب حقكم يضيع بالساهل ولا هعديها لها كأن مفيش حاجة حصلت.”

هدى (بقلق أمومة):

— “بلاش مشاكل يا ابني.. خلاص احنا أجرنا وعشنا أيام حنيّة ومبسوطين، وهي أكلت جزاءها في العجمي وأهلها بهدلوها وقضتها نكد وطبيخ.”

تامر (بثقة ورزانة):

— “لا يا أمي، مش هنعمل مشاكل، بس الأصول لازم تتفق عليها. عمي عادل راجل طيب وابن أصول وما يرضاش المهزلة دي. لازم يعرف مراته بتستغل الناس إزاي وبتعامل أهله إزاي من وراه، عشان محدش يفكر يقل منكم تاني.”

دخلنا ارتاحنا وأخدنا دش، وقضينا بقية الليلة في هدوء وراحة. ثاني يوم الضبح، وعلى الساعة 12 الظهر، الباب خبط خبطات متقطعة ومترددة.

تامر فتح الباب، وكانت المفاجأة!

كانت فريدة واقفة على الباب، بس مش فريدة البجاحة والاستغلالية بتاعة العجمي.. كانت ماشية بضهر محني، وشها أصفر، وتحت عينيها هالات سوداء من قلة النوم وتعب السفر والخدمة، وجنبها جوزها عمي “عادل” وهو شايل شنطة سفره وشكله متضايق وعصب جدًا.

أول ما عادل شاف تامر وشافني قاعدة في الصالة، دخل وبان على وشه الخجل الشديد.

عادل (بصوت مبحوح ومليان إحراج):

— “السلام عليكم يا أم تامر.. إزيك يا تامر يا ابني. حمداً لله على سلامتكم.”

هدى (وقفت باستقبال هادي ورزين):

— “أهلاً يا أخي عادل.. حمد الله على سلامتك من السفر، كفارة الغربة.”

عادل بصل لفريدة بنظرة نارية ناطقة بالغيظ، وبعدين قعد على الكرسي وهو بيتنهد بحسرة وقال:

— “أنا نزلت من المطار على الشقة في العجمي امبارح بالليل يا أم تامر.. كنت فاكر هلقى البيت هادي ومرتي مستنياني بلقمة نظيفة وراحة بعد السفر. لقيت الشقة زريبة! رملة مغرقة السيراميك، زبالة ورا الأبواب، مواعين متكومة في الحوض ريحتها طلعت، والبيت مليان ناس نايمة على الكنب والأنتريه كأنه موكب! ولما سألتها فين هدى ومرت ابنها؟ قالت لي مشيوا وزعلانين!”

فريدة كانت واقفة ورا جوزها بتبص للأرض، صوابعها بتترعش وما قادرة ترفع عينها في عيني ولا في عين نسرين اللي خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية العصير بكل ثبات.

تامر قعد قصاد عمّه عادل وقال بنبرة رجولية هادية:

— “يا عمي عادل.. أنت راجل كريم وأخو أبوي المتوفي، ونفسنا دايماً على بعض بالخير. بس مرتك عمتي فريدة اتصلت بأمي ونسرين وعزمتهم على أساس يجوا يغيروا جو ويصيفوا معاها، وأول ما وصلوا بعد سفر خمس ساعات في الحر، استقبلتهم كأنهم خدامين متأجرين لحسابها ولحساب عيلتها!”

عادل ضرب على ركبته بقوة وزعق:

— “سخرة؟! عزمتكم عشان تخليكم تطبخوا وتغسلوا هدوم أهلها المبلولة بالرملة؟! دي قالت لي في التليفون إنكم قعدتم يومين ومشيتوا عشان الفلوس حرقاكم وعاوزين تأجروا على البحر!”

هدى (رديت بوضوح وبدون مواربة):

— “لا يا عادل.. الفلوس ما حرقاتناش، ابني تامر بعت لنا من عرق جبينه عشان نكون عزاز المكرمين. مرتك رميت لينا جردل الهدوم الزفرة تحت رجل نسرين وقالت لها اغسلي وانشري عشان الناس طالعة من البحر تعبانة! وصحتني الساعة 6 الصبح تحكم عليا أصحّي مرات ابني تقلي بطاطس وطعمية لأختها وعيال أخوها النايمين! وقالت لي بكل بجاحة: ‘اللي يقعد في شقتنا يمشي بقوانيننا والشارع واسع!'”

عادل وشها أحمر دم، ووقف من طوله وبص لفريدة وهو بيترعش من الغضب:

— “الكلام ده حصل يا فريدة؟! أنتِ تجيب مرت أخويا المتوفي ومرت ابنها الشابة النظيفة عشان يخدموا على أختك سحر وعيالها؟! الشقة دي أنا شقيان فيها في الغربة عشان ترتاحي وتستقبلي أهلك بالمعروف، مش عشان تعمليها تكية وتهيني أهلي فيها؟!”

فريدة (بكت بصوت واطي وبقت تحاول تبرر بلهجة متقطعة):

— “والله يا عادل أنا.. أنا كنت تعبانة والأكل كان كتير.. وأنا قولت نساعد بعضنا، هما كبروا الموضوع و…”

تامر (قاطعها بصرامة وقوة):

— “لا يا عمتي، احنا ما كبرناش الموضوع. أنتِ اللي استصغرتِ أمي ونسرين، ونسيتِ إن عندهم راجل في القاهرة يسد عين الشمس وميرضاش بالدنية. أمي مش محتاجة شقتك، ولا نسرين شغالة عند حد. احنا أجرنا أحسن شقة في البيطاش بفلوسنا، وأكلنا من أنظف مطاعم، وروحنا بيتنا ورأسنا في السماء.”

عادل بصل لمراته بجمود وقسوة وقال لها أمامنا كلنا:

— “تطلعي حالاً تعتذري لأم تامر وتتأسفي لنسرين وتدوسي على راسك قبل إيديهم! وإن ما عملتيش كده النهاردة، حلفان يمين طلاق لا أنتِ مرتي ولا أعرفك، وتروحي تقعدي في بيت أهلك اللي عزمتيهم يكركبوا شقتي ويهينوا قرايبي!”

فريدة اتصدمت، دمعت عيونها بالخزي والندم الشديد، وقربت مني وهي بتبكي بجد المرة دي…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى