
أول ما شافها، قرب منها وقعد على الكرسي جنبها، مسك إيدها وباسها “حقك عليّ يا سارة.. حقك عليّ يا بنت الأصول. أنا الآسف إن يسيبك مع ناس ما يعرفوش ربنا، بس والله العظيم حقك رجع، وابننا حقه رجع قبل ما يشوف الدنيا.” سارة مسحت بإيدها الثانية وهي بتبتسم وراحة:
“المهم إنك جنبنا يا إبراهيم.. المهم إن ربنا حمانا وحمى ابننا منهم.”
وبينما كانت السيارة بتاعة الحاج متولي واقفة قدام المستوصف تمهيدًا لنقل سارة لبيت حماها في البلد علشان ترتاح تحت عين العيلة، رن تليفون إبراهيم برقم غريب..
إبراهيم فتح الخط وهو مستغرب:
“ألو؟ مين معايا؟”
الصوت على الناحية التانية كان صوت دكتورة النساء والتوليد اللي كانت سارة عندها الأسبوع اللي فات، وصوتها كان متوتر ومرتبك جداً:
إبراهيم اتجمد في مكانه والراحة اللي كانت على وشه اختفت في ثانية:
“تحاليل إيه يا دكتورة؟! سارة كويسة والجنين ثابت، في إيه بالضبط?!”
الدكتورة ردت بصوت واطي ومليان قلق:
“مادة سمومية؟! أنتِ بتقولي إيه يا دكتورة؟ سارة طول عمرها ما بتاكلش غير من بيتي، ومفيش حد بيمس أكلها غيرها!”
الدكتورة نادية ردت بنبرة حازمة من أي مواربة:
“تعالوا العيادة فوراً يا أستاذ إبراهيم، النتائج قدامي وحالة الكبد والكلى عندها بتقول إن في مادة كيميائية بتدخل بجرعات صغيرة ومركزة من فترة مش قصيرة. المادة دي ملهاش طعم ولا ريحة، بس بتعمل تراكم بطيء، ولو كانت كملت أسبوع كمان بنفس المعدل، كان اللي حصل النهاردة هيتحول لإجهاض كامل ينهي حياتها!”
قفل إبراهيم الخط، وكانت الدنيا بتدور بيه. الحيطان البيضاء حوليه بدأت تضيق، ونظرات الأمل في عيون مراته بقت . قرب منها بخطوات ثقيلة كأنه شايل جبل على كتفه، حط إيده على جبهتها وسألها بصوت:
“سارة.. أنتِ كنتِ بتاكلي أو أي حاجة من عند روفيدة الفترة اللي فاتت؟”
سارة بصلته باستغراب، وهزت رأسها ببطء وهي بتحاول تتفتكر:
في اللحظة دي، دخل الحاج متولي الغرفة، وعصايته الأبنوس بتخبط على الأرض بخطوات منتظمة، وعينيه الثاقبة لمحت حالة على وش إبراهيم.
“في إيه يا إبراهيم؟ أصفر ليه كدا يا ابني؟ التليفون ده كان من مين؟”
“التليفون كان من دكتورة سارة يا أبوي.. بتقول إن سارة ! روفيدة كانت بطيء كل يوم تحت الأعشاب!”
“والله العظيم ما هيعدي النهاردة إلا !” “خير يا حاج ؟! في إيه تاني يسترها ربنا?!”
إبراهيم ما استناش الشرطة ولا استنى أبوه. نزل يجري ، مش شايف قدامه غير صورة روفيدة وحمدي وهما بيبتسموا لسارة كل يوم ويقدمولها كباية السم بصوت ناعم ووجه ملائكي.
في الشارع الجانبي المؤدي للموقف العام، كان حمدي وروفيدة ماشيين بسرعة، شايلين شنط الهدوم وبيحاولوا يستقلوا أي تاكسي يهربوا بيه لبيت أهل روفيدة في أطراف المحافظة قبل ما الخبر ينتشر. روفيدة كانت بتبص وراها كل ثانيتين، وحمدي وشها أسود ويديه وهو بيحاول يوقف أي عربية.
وفجأة، جرت عربية نقل صغيرة بعرض الشارع عليهم ! نزل منها حسن ابن عم مجاهد ومعاه ثلاثة من شباب الحارة الشجعان، وفي نفس اللحظة، ظهر إبراهيم من أول الشارع كأنه القادم على قدمين!
روفيدة صرخت ورجعت لورا وهي بتستخبى ضهر حمدي:
“لحقني يا حمدي! إبراهيم جاي !”
حمدي مسك خشبة كانت مرمية على الأرض ورفعها في وش أخوه:
“أنت عايز إيه تاني يا إبراهيم؟! مش أبوك وأخد كل حاجة؟! حل عن بقى!”
إبراهيم ما هابش الخشبة، هجم على حمدي بضراوة وحش جريح، مسك إيده اللي فيها الخشبة ولوها لورا ضهره لحد ما سمع صوت فرقعة المفصل وشخير الصادر من حمدي! الخشبة وقعت على الأرض، وإبراهيم نزل في أخوه بالأيدي واللكمات، بكل والخوف اللي عاشه على مراته وابنه.
بعد دقائق معدودة، سيارات الشرطة وهي بتدخل الشارع . نزل المأمور ورجال المباحث، وبصوا : حمدي مقيد ومضروب على الأرض، وروفيدة محتجزة بين نساء الحارة ، وإبراهيم واقف في وسط الشارع وشه مليان معلقة بالسماء.
الحاج متولي وصل ومعه عم مجاهد والدكتورة نادية اللي جابت معاها التقرير الطبي المبدئي ونتائج تحليل المخبرية. سلم الحاج متولي التقرير لضابط المباحث وقال بصوت صعيدي لا يرحم:
“ركبوهم البوكس فوراً! والتقرير ده يتحرز، وناخد أستاذ إبراهيم والدكتورة على النيابة لتقديم أقوالهم رسمياً!”
انطلقت سيارات الشرطة وهي شايلة الخونة لزنزانة التخشيبة، والشارع كله واقف يسبهم طمعهم اللي وصلهم للقتل والخيام.
“خلاص يا سارة.. الشر راح، والعدل جيه. الخونة في إيد النيابة والشرطة، ومحدش فيهم هيشوف الشارع تاني.”
“أنا مش زعلانة على نفسي يا إبراهيم.. أنا زعلانة إن القسوة والطمع ينزلوا بأخ لأخوه للمستوى ده! كان ممكن نخسر كل حاجة في لحظة!”
إبراهيم باس إيدها ونزل بعينيه لبطنها، وحط كفه الدافئ عليه:
“ربنا حارسنا يا سارة.. والطفل ده مش هيشوف غير النور والشرف والخير. أبويا كتب له المحل، وعمك مجاهد واقف معانا، وحقك هيتاخد بالقانون لحد آخر يوم في عمري.”
في المساء، كانت سارة نائمة في الأوضة تحت تأثير المحاليل والراحة، والحاج متولي واقف في صالة المستوصف بيتكلم في التليفون مع المحامي عشان يقفل كل ثغرة ممكن يهرب منها حمدي أو روفيدة في المحاكمة القادمة.
وفجأة، دخل حسن ابن عم مجاهد يجري على إبراهيم وهو ماسك تليفونه بصدمة:
“إبراهيم! الحق! في خبر جيه حالا من محبس النيابة عن روفيدة وحمدي!”




