
جريت على الأوض.. “مايا! مايا أنتِ فين؟”
دخلنا أوضة النوم لقينا الباب الخلفي للمطبخ مفتوح.. قدر يفك الترباس بعد ما أنا هربت. وفي نص أوضة مايا.. لقينا الكارثة.
مايا كانت واقعة على الأرض، مغمي عليها، ووجها مليان آثار تعب، ومربوطة بحبل ستارة متين. وأبويا مش موجود! اختفى!
جريت على مايا وقعدت في الأرض، رفعت رأسها على رجلي وبقيت أطبطب عليها بحنان وأنا بعيط: “مايا! فتحي عينك يا مايا! عشان خاطري رد عليا!”
الظابط نزل على ركبته وقاس نبضها: “النبض موجود، هي مغمي عليها من الصدمة. يا عسكري اطلب الإسعاف فوراً!”
في الوقت ده، العساكر بدأوا يفتشوا الشقة، والظابط بدأ يسجل الملاحظات ويرفع الصور والشريط كأدلة جنائية. الظابط بصلي وقال بنبرة حازمة: “الصور والشريط دول حرز رسمي دلوقتي. القضية دي كبيرة، وفيها تزوير تقارير واحتجاز حريات. بس لازم نعرف المتهم هرب فين.”
مايا بدأت تفتح عينها ببطء، عينها كانت زايغة ومرعوبة، أول ما شافتني مسكت في هدومي بضعف وبقت تصرخ: “نسمة! أوعي تسيبيني! هو قال إنه رايح لها.. قال هيروح المستشفى!”
قلبي وقف في صدري.. الدم اتجمد في عروقي.
مسكت مايا من دراعها وسألتها بصوت مرعوب: “رايح لمين يا مايا؟ رايح لمين؟!”
مايا قالت وهي بتبكي بدموع حارقة وصوت متقطع: “رايح.. رايح لأمي المستشفى يا نسمة! أخد السكينة وقال لي طالما السر انكشف، أنا هخلص على كل حاجة قبل ما الشرطة توصل!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. الراجل ده جن جنونه، وعارف إن نهاية مطافه السجن، وقرر يروح للمستشفى!
الظابط أول ما سمع الجملة، اتكلم في اللاسلكي بصوت عالي وأمر كل الدوريات: “إشعار عاجل لمستشفى الأمراض العقلية! التحرك فوراً للقبض على المدعو (مكرم)، متهم خطر ومسلح متجه للمستشفى!”
أنا ما استنيتش الإسعاف ولا استنيت الشرطة. جريت على برة الشقة زي المجنونة. زياد جرى ورايا ومسكني عند السلم: “نسمة استني! الشرطة رايحة وهتتصرف!”
صرخت فيه وأنا بزقه بكل قوتي: “أمي في خطر يا زياد! 15 سنة حابسها والنهاردة رايح يأذيها! مش هقعد استنى!”
نزلت للشارع وزياد جه معايا وركبنا عربيته، وطار بيها بأقصى سرعة ناحية المستشفى. الشوارع كانت زحمة، وكل دقيقة بتعدي كانت بالنسبة لي كأنها سنة من العذاب. كنت بصلي وبتحايل على ربنا إننا نوصل في أسرع وقت.
بعد نص ساعة من القيادة، وصلنا لمستشفى الأمراض العقلية.
المكان كان هادي كالعادة، السور العالي والباب الحديدي الكبير. نزلنا من العربية بنجري. البواب كان واقف مستغرب من منظري ومن حركة زياد السريعة. جريت عليه وصرخت: “فيه راجل دخل هنا دلوقتي؟ راجل كبير ومصاب في إيده؟”
البواب بصلي بدهشة وقال: “أيوه.. الحاج مكرم وصل من عشر دقائق، قال إنه جايب أدوية ضرورية للمدامة مديحة ودخل على العمبر جوه!”
قلبي وقع في رجليا.. دخل من عشر دقائق!
جريت على جوه، في الممرات الكئيبة. الأطباء والممرضين كانوا بيتطلعوا فينا باستغراب وأنا بجرى وبصرخ باسم أمي: “ماما! مديحة!”
وصلت للعمبر اللي فيه أمي. الباب كان مقفول من جوه!
حاولت أفتح الباب، وكان مسدود بحاجز من جوه. بصيت من الزجاج الصغير بتاع الباب..
المنظر اللي شوفت جوه خلى صرختي تتشق في أرجاء المستشفى كلها.
أمي كانت واقفة في ركن الأوضة، ضامة نفسها للحيطة، وأبويا واقف قباله، ماسك أداة حادة في إيده، والدم نازل من جروحه، وعينيه مليانة غضب وعصبية شديدة. كان بيقرب منها ببطء وبيقول بصوت واطي ومخيف: “15 سنة وأنا سايبك عايشة يا مديحة.. 15 سنة وأنا صابر عليكي.. بس أنتِ أبتي إلا إنك تخربي كل حاجة في الآخر؟ رسمتِ لها الشامة؟ يبقى خلاص.. رحلتك انتهت النهاردة.”
أمي ما كانتش بتصرخ.. ما كانتش بتعيط.. كانت بصة له بنظرة ثبات غريبة، نظرة ست استنت اللحظة دي 15 سنة ومستعدة ليها. قالت له بصوت هادي: “أنا مت من 15 سنة يا مكرم.. أنت اللي جاي تتحاسب النهاردة.”
زياد جه من ورايا وبكل قوته ضرب الباب بكتفه. الضربات كانت بتهز الباب. أنا بقيت أصرخ وأضرب على الزجاج: “افتح! سيبها! الشرطة برة يا مكرم!”
أبويا ألتفت للباب، وفي اللحظة اللي التفت فيها، أمي دافعت عن نفسها بكل شجاعة! مسكَت إيده اللي فيها الأداة وحاولت تبعده عنها بكل قوتها لحد ما سقطت الأدوات على الأرض.
في نفس اللحظة، زياد قدر يكسر الباب ويدخل الأوضة بسرعة. زياد هجم على أبويا وثبته في الأرض، وأمي كانت واقفة بتلتقط أنفاسها بصعوبة وأنا جريت حضنتها ووقعت بيها في الأرض وأنا بعيط وبشهق: “ماما! ماما أنتِ كويسة؟”
أمي ضمتني بإيديها المرعشة، وبصت لأبويا وهو متثبت في الأرض، وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالتلي ودموعها بتنزل ببطء: “حقنا رجع يا نسمة.. الحقيقة ظهرت.”
بعد دقائق، العساكر والظابط دخلوا الأوضة. الكلابشات اتقفلت في إيدين أبويا، ولأول مرة من 15 سنة، اترفع عنه القناع قدام كل الناس. الدكاترة والممرضين كانوا واقفين مصدومين مش مصدقين اللي بيحصل.
الظابط قرب من أمي، وبص لها باحترام وقال: “حمد الله على السلامة يا حاجّة.. القضية اتفتحت رسمياً، وأوراق خروجك هتجهز خلال ساعات بمرسوم من النيابة العامة.”
خرجنا من المستشفى.. بس المرة دي وأمي في وسطنا، ماسكة إيدي وإيد زياد، والشمس كانت بتبدأ تغرب وبتملى السماء بلون أحمر دافي.
رجعت البيت.. البيت اللي كان مقفول عليه الكابوس. مايا كانت مستنيانا، أول ما شافت أمي جريت عليها ووقعت تحت رجليها تبكي وتعتذر. أمي نزلت على الأرض واحتضنتها، وظلوا هم الثلاثة في حضن واحد يبكوا دموع 15 سنة من الظلم والقهر والخوف.
القضية أخذت مجراها. الاعترافات والصور والشريط كانوا أدلة قاطعة لا تقبل الشك. أبويا اتحكم عليه بالسجن المشدد والأحكام الصادرة في حقه كانت كفيلة إنها تخليه يقضي باقي عمره ورا القضبان، وصورته المزيفة اتمحت تماماً قدام العيلة والمجتمع.
لكن الجروح.. الجروح اللي اتزرعت في نفوسنا على مدار 15 سنة محتاجة عمر كامل عشان تلتئم. أمي رجعت تنور بيتنا، ومايا بدأت تتعالج نفسياً وتبدأ تتنفس الحرية من جديد، وأنا تعلمت إن الحقيقة مهما استخبى وراها تراب الكذب، بتظهر في يوم من الأيام وترجع الحق لأصحابه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




