منوعات

حكايات امانى السيد 1

والدليل؟ الحامل اللي في الشهر السابع دي.. الولد اللي في  مكنش ابن جوزها ، كان ابن فوزي!

أنا مسكت الصور للورقة العرفية اللي كان مخبيها في خزنة مكتبه في الشركة اللي شغال فيها، والرسائل الصوتية اللي بينهم، وتقرير الدكتورة اللي كان بيسجل تاريخ الحمل الحقيقي اللي بيثبت إن الحمل حصل في فترة ما كانت نهى لسه على ذمة جوزها الأولاني!

مسكت التلفون، وبصيت على صور المستندات اللي مجمعاها ومحتفظة بيها على حساب إلكتروني مخفي. كان ناقصني حاجة واحدة بس عشان اللعبة تكتمل وأكسرهم كلهم دفعة واحدة من غير ما أترمي في الشارع زي ما هددني.

الصباح طلع، الساعة كانت ستة بالظبط. قمت من على السرير، لبست هدومي، وخرجت للمطبخ. عملت الفطار، وجبت كباية اللبن بالسمنة البلدي والبيض وزي ما طلبت حماتي، وحطيتها على الصينية.

خبطت على باب الأوضة الكبيرة ببطء. صوت نهى جه من جوة نعسان: “مين؟”

ـ “أنا يا نهى.. الفطار واللبن.”

فتحت الباب وهي لافّة روب ناعم حوالين جسمها، وبطنها المنفوخة بارزة. بصتلي بنظرة شفقة واستعلاء:

“حطيه هنا يا نادية على التسريحة.. معلش يا حبيبتي تعباكي، بس أنتي عارفة، فوزي بيصر إنك تهتمي بيا بنفسك، بيقولي أنتي معندكيش خبرة في الحمل وعمرك ما جربتي تبقي أم، فنادية أختنا الكبيرة وهتشيلك.”

ابتسمت لها ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت نهى تستغرب وتضيق عينيها:

“ولا تعب ولا حاجة يا نهى.. أنتِ في مقام أختي، واللي في بطنك ده.. غالي أوي على فوزي، وغالي عليا أنا كمان.. ده ابن العيلة!”

نهى بلعت ريقها وشكّت في طريقتي، بس اتداركت الموضوع وضحكت بدلع:

“تسلمي يا نادية.. عقبالك لما ربنا يطعمك.. قصدي يعني، لو فوزي فكر يديكي فرصة تانية.”

خرجت من الأوضة، لقيت حماتي طالعة من الأوضة التانية، بصتلي بقرف وقالت:

“نضفتي الصالة؟ الفطير الملتوت اللي أختي طلبتيه عملتيه؟”

ـ “كل حاجة جاهزة يا حماتي، والأكل على السفيرة، وأنا ماشية الشغل عشان متأخرش.”

فوزي خرج من الصالون، يحك في شعره ولابس بنطلونه، بصلي بجمود وقال:

“رجليكي متتأخرش عن الساعة أربعة.. النهاردة جاي صاحب شغلي ومحامي العيلة، عايز البيت يبقى يبرق والتراس مفتوح، وأكل شيك يتعمل، فاهمة؟”

بصيت لفوزي في عينيه بثبات غريب أول مرة يشوفه مني:

“المحامي الأستاذ فريد؟”

فوزي استغرب إن أني عارفة الاسم، ورجع ورا خطوة: “أه.. الأستاذ فريد.. أنتي تعرفيه منين؟”

رديت ببرود: “مش أنت بتقول محامي العيلة؟ عادي يعني.. حاضر يا فوزي، كل حاجة هتكون جاهزة زي ما أنت عايز وأكتر كمان.”

مشيت ونزلت من البيت. أول ما حطيت رجلي في الشارع، نفست بنفس عميق كأني كنت محبوسة تحت المية. طلعت تلفوني واتصلت برقم.

“ألو.. أستاذ حازم؟”

ـ “أهلاً يا مدام نادية، خير؟ الأوراق جاهزة؟”

ـ “الأوراق كلها معايا، والنهاردة المعاد.. فوزي داعي المحامي بتاعه وعازم ناس في البيت، والفرصة جاتلي لحد عندي. أنا عايزة كل حاجة تترفع النهاردة، قضايا التزوير، الزنا، وإثبات النسب، بالإضافة لحق موكلي اللي هو أنا في الشقة دي المؤخر والنفقة وشبكتي اللي سرقوها.”

المحامي رد بثقة: “تمام يا مدام نادية، أنا والمحضرين هنكون موجودين في عنوان بيتك الساعة ستة المغرب، ومعانا القوة لو استدعى الأمر بناءً على البلاغ اللي هنقدمه الصبح في النيابة بمستندات التزوير والجمع بين زوجين.”

قفلت السكة، وابتسامة صغيرة اترسمت على وشي.

النهارده مش هيبقى يوم عادي.. النهاردة اليوم اللي فوزي وأمه وخالته وبنت خالته هيعرفوا فيه مين هي “الخدامة اللي معندهاش ضهر”.

ساعات الشغل عدت بسرعة. رجعت البيت على الساعة أربعة بالظبط زي ما فوزي أمر. فتحت الباب بالمفتاح، ولقيت الهدوء يعم الشقة، نهى كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون وبتأكل مكسرات، وخالتي بتعمل ضوافرها، وحماتي بتشرب قهوة.

أول ما دخلت، حماتي زعقت:

“تأخرتي ربع ساعة يا هانم! ادخلي يلا جري على المطبخ، فوزي زمانه جاي ومعاه الأستاذ فريد وضيوفه، والفراخ واللحمة لازم ينزلوا في الزيت فوراً!”

ما رديتش عليها بأي كلمة.. مشيت بخطوات ثابته وادخلت المطبخ. بس المرة دي، مأكّلتش النار عشان أطبخ. المرة دي قعدت على الكرسي، وطلعت تلفوني، وبدأت أراقب الساعة.

الساعة جابِت خمسة ونص. باب الشقة اتفتح، وصوت فوزي يرن في الصالة وهو بيكلم الأستاذ فريد والمحامي التاني وواحد من قرايبهم الكبير في السن اللي جايين عشان يتفقوا على “إجراءات” نقل ملكية شقة ثانية فوزي كان كاتبها باسمه وهي أصلها من فلوسي اللي خدها مني بأسماء وهمية!

فوزي دخل الصالة بصوت عالي:

“أنورتم يا جماعة.. اتفضلوا في الصالون.. يا نادية! يا نادية هاتي العصير والقهوة فوراً!”

نهى قامت ببطء وهي ماسكة بطنها، وراحت ناحية الصالون بدلع عشان تتسلم على الضيوف وتظهر بمظهر “الضحية المسكينة” اللي فوزي شالها.

فوزي بص للضيوف وقال بفخر:

“دي نهى بنت خالتي.. أختي الصغيرة اللي ملهاش ذنب في الدنيا، ظروفها صعبة ومطلقة وحامل، وأنا قايم بالواجب معاها لوجه الله.”

المحامي فريد هز رأسه بإعجاب: “ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا أستاذ فوزي، أصيل من يومك.”

في اللحظة دي، خرجت أنا من المطبخ.. مش لابسة المريلة، ولا باين عليا التعب. كنت لابسة أشيك طقم عندي، ومكياج خفيف، وواقفة ظهري مفرود ورأسي مرفوع.

فوزي أول ما شافني بالمنظر ده، حواجبُه اتعقدت وبصلي بغضب مكتوم:

“إيه اللي أنتي لابسه ده؟ فين العصير والأكل؟ أنتي اتجننتي يا نادية؟”

حماتي قامت من مكانها وهي بتبرطم: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ جاية تتشيكي قدام الضيوف وتسيبي الأكل؟”

قربت من الصالون بخطوات هادية، وبصيت للضيوف كلهم، وابتسمت ابتسامة عريضة:

“أهلاً بيكم يا جماعة.. أنورتم بيت فوزي.. وبيت نهى!”

نهى بصتلي بشك وشفايفها اترعشت. فوزي قرب مني وشرر طالع من عينيه، مسك دراعي ووطى صوته بتهديد:

“ادخلي جوة يا نادية بدل ما أدفنك هنا قدام الناس، أنتي واعية لأنك بتعمليه؟”

نفضت إيده عن دراعي بقوة، وبصوت عالي سمع كل اللي في الصالة، بما فيهم المحامين والضيوف:

“سيب إيدك يا فوزي! ولا أنت خايف أقول للضيوف والمحامي الكبير المحترم الأستاذ فريد، عن السر اللي مخبيه في أوضة النوم الكبيرة؟”

الصالون كله سكت. خالتي وقفت بخوف، وحماتي وشها أصفر.

فوزي أتلبك وقال برعشة: “سر إيه؟ أنتي تخاريفك زادت! الست دي تعبانة نفسياً يا جماعة من ساعة ما سقطت والظاهر مخها اتلحس!”

ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في أركان :

“تعبانة نفسياً؟ ولا تعبانة من اللي عايشة فيها بقالي ست شهور؟”

طلعت من شنطتي ملف أبيض كبير، وحطيته على الترابيزة في نص الصالون قدام المحامي فريد والضيوف.

“إيه ده؟” المحامي فريد سأل باستغراب وهو بيمد إيده للملف.

فوزي جرى عشان يمسك الملف، بس أنا سبقت ورزعت إيدي عليه:

“ده عقد الزواج العرفي اللي بين فوزي زوجي المحترم، وبين نهى بنت خالته ‘المسكينة المطلقة’!”

نهى صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على بؤها. خالتي وقعت على الكنبة وهي بتصوت: “ليلتنا سودة!”

فوزي وشه بقى زي الجثة، وعينيه وسعت برعب: “أنتي.. أنتي جبتي ده منين؟”

أنا كملت بصوت جهوري وزي السكين:

“ومش بس كده يا أستاذ فريد.. الملف ده فيه كمان صور الرسائل الصوتية والمحادثات اللي بتثبت إن الزواج العرفي ده تم وهي لسه على ذمة جوزها الأولاني! وفيه الورقة الأهم.. تقرير التحاليل والسونار اللي بيثبت إن الولد اللي في بطن نهى ده.. ابن فوزي! مش ابن جوزها المطلق زي ما ضحكوا على الناس وعلى المنطقة!”

حماتي  عليا وهي بتصرخ: “يا ! يا كدابة! عاوزة تخربي بيت ابني  أختك؟”

دفعتها بإيدي بثبات وقفتها مكانها: “الزمي حدودك يا حماتي! ابنك هو اللي فجر وخان، وأنتي اللي سترتي عليه وجبتيها هنا وخلتوني أخدمها وأخدمه كأني جارية تحت رجليكم!”

المحامي فريد مسك الأوراق وبدأ يقلب فيها بسرعة، ووشه بيتغير كل ثانية. بص لفوزي بذهول وقرف:

“إيه الكلام ده يا أستاذ فوزي؟ دي قضية زنا وتزوير وإثبات نسب قاطعة! أنت ورطت نفسك وورطتني معاك في اللعبة دي؟”

فوزي كان واقف مذهول، لسانه اتعقد، وبصلي بعيون مليانة خذلان ورعب وهزيمة. قرب مني بضعف وهو بيترجاني:

“نادية.. استهدي بالله.. نتكلم جوة، بيني وبينك.. أنتي فاهمة غلط والله، أنا هفهمك كل حاجة.. امسحي الفيديوهات والأوراق دي، متفضحيناش!”

بصيتله من فوق لتحت بنفس الاحتقار والسم اللي كان بيعاملني بيه:

“أفهم إيه يا فوزي؟ أفهم إنك كنت بتخليني أنام على الأرض وأخدم مرتك الثانية بعيلها اللي في بطنها؟ أفهم إنك كنت بتهددني بشنطة هدومي وورقة طلا قي؟”

في اللحظة دي، جرس الباب رن بحدة وقوة.. دقات منتظمة ومتتالية هزت الشقة كلها.

الكل اتجمد في مكانه. أنا ابتسمت ابتسامة هادية، وتمشيت بخطوات وثيقة ناحية الباب وفتحته.

كان واقف على الباب الأستاذ حازم محاميا، ومعاه اثنين من رجال الشرطة والمحضرين.

المحامي حازم بصلي وقال بثقة:

“مساء الخير يا مدام نادية.. البلاغ اتسجل، ومعانا أمر من النيابة ضبط وإحضار للمدعو فوزي والمدعوة نهى بناءً على المستندات المقدمة بتهمة التزوير والجمع بين زوجين وتدليس النسب.”

فوزي طاح في الأرض على ركبتيه، ونهى بدأت تصرخ وتستغيث، وحماتي بتصوت وتلطم على وشها في الصالة.. البيت اللي كان مسرح لإهانتي وضيمي اتحول في ثواني لساحة محاكمة وعقاب.

وقفت عند الباب، بصيت لفوزي وهو   تحت رجلين المحامين والشرطة، وقلتله بنفس النبرة اللي قالها لي زمان:

“شفت يا فوزي؟ نادية ملهاش ضهر يدافع عنها.. بس طلع عندها عقل يمسح بيك وبأهلك الأرض.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى