
الساعة كانت قربت على واحدة بالليل لما خلصت الأكل. حطيته على الصينية وخرجت بيه. نهى كانت قاعدة على الكنبة، فردة رجلها، وأول ما شافتني قربت، ابتسمت ابتسامة نصر وقالت:
“تعبناكي معانا يا نادية.. بس معلش بقى، ‘ابن الغالية’ في بطني ونفسه راحت للفراخ المشوية، والدكتورة قالت أهم حاجة النواحي النفسية والأكل الصحي.”
حطيت الصينية قدامها ونزلت عيني في الأرض تمثيلية:
“بالهنا والشفا يا نهى.. تؤمريني بحاجة تانية؟”
حماتي ردت بحدة وهي بتشرب الشاي:
“آه يا نادية، ادخلي الأوضة الكبيرة شيلِي الملايات اللي على وغيريها، نهى بتقول الملاية ناشفة شوية على جسمها، وهاتي المخاد الناعمة اللي في دولابك حطيها تحت رأسها.”
دخلت الأوضة الكبيرة.. أوضة نومي! الأوضة اللي عشت فيها ثلاث سنين، اللي كل حتة فيها شاهدة على أحلامي اللي اتهدت. الدولاب اللي كان فيه هدومي بقى مليان هدوم نهى وفواتير أطباء وسونارات باسمها. تسريحتي اللي كانت مليانة عطور ومكياج بقيت مليانة كريمات مرطبة وأدوية حمل لنهى. مسكت الملاية وغيرتها بهدوء، وكل خطوة كنت بتمشيها جوة الأوضة كانت بتكتب نهاية فوزي في حياتي.
لما خرجت، لقيت فوزي قايم يشيل نهى عشان يدخلها تنام. حط إيده على ضهرها، وهي سندت على صدره بكل دلال وقالت بصوت واطي بس مسموع:
“تسلملي يا فوزي.. ربنا ما يحرمنا منك يا رب.”
دخلها وغطى رجلها، وخرج قفل الباب ببطء وكأنه خايف على نومها. بصلي ببرود وقال:
“أنا داخل أنام في الصالة على الكنبة عشان أكون قريب لو نهى احتاجت حاجة بالليل.. وأنتي ادخلي نامي في أوضة الأطفال، ويا ريت تصحي الساعة ستة عشان تطلعي تجهزي الفطار وتعملي كوباية اللبن بصفار البيض لنهى قبل ما تنزلي شغلك.”
هزيت رأسي وقلت بصوت هادي: “حاضر يا فوزي.”
دخلت أوضة الأطفال الضيقة.. الأوضة اللي كنت بحلم أفرشها لإبني اللي سقطته. قفلت الباب عليا بالمفتاح، ولأول مرة من ست شهور، ما عيطتش. قعدت على السرير الصغير، وطلعت تلفوني من تحت المخاد. فتحت الأجندة الصغيرة اللي مخبياها.
الناس كانت فاكرة إن نادية المكسورة العاجزة هي اللي قاعدة تخدمهم، بس الحقيقة كانت غير كده خالص. أنا كنت بنزل الشغل الصبح، بس شغلي مكنش مجرد شغل مكتب عادي؛ أنا شغالَة في شركة مقاولات كبيرة، ومن فترة طويلة وبحكم شغلي بقيت مسؤولة عن حسابات صغيرة ودفاتر المراجعة. ومن يوم ما فوزي بدأ يهانني ويستغل ضعفي وقلة حيلة أهلي، قررت إن القوة الوحيدة اللي هترجعلي حقي هي “القرش” و”العقل”.
في الست شهور دول، مكنتش بقعد ساكتة. فوزي كان بيسيب تلفونه ساعات وهو بياخد دش، أو لما ينام من التعب. وخلال الأشهر اللي فاتت، فتحت تلفونه أكتر من مرة، وعرفت حاجات كفيلة تهد البيت ده على رأس الكل.
فوزي مكنش مجرد بيساعد بنت خالته عشان “صلة الرحم” ولا حتى عشان عابرة.. الموضوع كان أعمق من كده بكثير.
فوزي كان ضارب ورقة عرفي مع نهى من قبل ما تتطلق من جوزها الأولاني!
أيوه.. نهى مكنتش مطرودة من بيت جوزها عشان ضيق الحال ولا عشان جوزها ظالم زي ما فهموا الناس. جوزها كشفها! كشف مكالمات بينها وبين فوزي، ولمّا واجهها طلقها ورماها، وفوزي بحيلته الخبيثة اتفق مع أمه وخالته يعملوا التمثيلية دي كلها: يرموها عندي في البيت، بحجة إنها مطلقة وحامل من جوزها القديم، لحد ما تولد، وبعدين يخلوا رسمي، وتتحول الجازية للخدامة المعزولة، وتبقى نهى هي الست الفتية للبيت!



