روايات وقصص

بنتي كانت ماليه 3 عربيات 2

— إنتِ فين بالظبط يا طنط؟ أنا جايلك حالاً.

— أنا جنب السوبر ماركت الكبيرة اللي في شارع الطيران. تعال خذني يا عماد.. بس قبل ما تجيلي، عايزة أسألك سؤال واحد.. الوديعة والتوكيل اللي كنت عملتهولك من سنتين، لسه شغالين؟

صوت عماد تغير، وبقى فيه نبرة ارتياح غريبة:

— الوديعة مقفولة وباسمك إنتِ وبس يا طنط، والتوكيل الرسمي العام في الشؤون القانونية والمالية معتمد وزي الفل.. إنتِ أخيراً قررتي ولا إيه؟

— قررت أوقف دفع الثمن يا عماد. تعال خذني.

في الوقت ده، كان السوبر ماركت في حالة هرج ومرج. داليا واقفة قدام الكاشير، وشها جايب ألوان، الطابور وراها بيطول، والنظر ات اتجمعت عليها. 3 عربيات مليانين من كل ما لذ وطاب، والناس مستنية، والكاشير واقف ماسك الإيصال ومستني الدفع.

شريف جوزها كان بيتصل بيها كل خمس دقايق:

— إيه يا داليا؟ التاكسي هيجيب الحاطة إمتى؟ زمايلي في الطريق وعزومة مديري في الشغل دي هي اللي متوقف عليها ترقيتي! الأكل جاهز؟ الحاجة اتجابت؟

داليا كانت بتحاول تجمع شتات نفسها وهي بتزعق في التليفون بصوت واطي ومختنق:

— شريف! أمك سابتني ومشيت! سابت الـ 3 عربيات واقفين ومضيتش بالكارت!

— بقولك سابتني وخرجت! خدت محفظتها ومشيت! والناس كلها بتتفرج عليا هنا!

— طب اتصرفي يا داليا! سيب المشتريات وتعالي بسرعة عشان تحضري الأكل! زمايلي على وصول!

داليا سابت العربيات في نص السوبر ماركت وخرجت تجري وهي بتغلي من الغضب. كانت حاسة  جنب الرطوبة بتعيط ومستنية الستار لما يترفع عشان تتأسف.

لكن اللي داليا وشريف ما كانوش يعرفوه.. إن الـ 21 ألف جنيه بتوع الأكل دول كانوا أصغر حاجة في القائمة.

الحاجة الحقيقية اللي أنا قررت أوقف دفعها الليلة دي.. كانت “الخدمة السرية” اللي شريف وداليا عايشين عليها من أربع سنين من غير ما يحسوا.

شريف كان شغال مدير مالي في شركة مقاولات متوسطة. والشركة دي كانت بتمر بأزمة، وشريف عشان يبان الخبير اللي بي نقذ الشركة، كان بياخد الملفات والحسابات المعقدة الميزانيات  ويجيبها البيت.

أنا.. سعاد.. اللي كانوا فاكرينني مجرد كراكيب في البيت، كنت رئيسة حسابات سابقة في وزارة المالية لمدة 35 سنة قبل ما أطلع معاش.

كل الميزانيات المكسورة، وكل القوائم المالية اللي شريف كان بياخد عليها مكافآت وترقيات ويتقال عليه “العبقري اللي بيحل المعضلات”، أنا اللي كنت بقعد بالساعات على مكتبه بالليل، بنظارتي القراءة، أظبطهاله، وأحل اللوغاريتمات المالية، وأعدل الأخطاء اللي كانت ممكن توديه في داهية أو تطرده من شغل.

مش بس كده..

دي الشقة اللي هما عايشين فيها، الأرضية اللي اتبنى عليها الدور الأرضي ده.. العقود بتاعتها كانت مكتوبة بشرط جزائي وبند صريح في الشراكة القانونية: “حق الانتفاع الكامل والإدارة المالية للمبنى لصالح سعاد عبد الحميد طالما هي على قيد الحياة، ولا يجوز التصرف أو استغلال العقار إلا بموافقتها الكتابية”.

هما كانوا فاكرين إن البيع كان نهایی وإن الفلوس راحت في الأرض. كانوا فاكرين إن السكوت ضعف، وإن السن كبر وخرف.

عماد جالي بالعربية. ركبت جنبه، بص لي بابتسامة دافية وقدم لي أزوزة مية وعلبة شاي يانسون مقفولة زي اللي كانت في إيدي في السوبر ماركت.

— ها يا طنط سعاد.. على فين؟ على شقتي ولا على الفندق؟

— ولا هنا ولا هنا يا عماد. خدني على شقة الزمالك.

عماد بص لي بصدمة وابتسم:

— شقة الزمالك؟! إنتِ لسه مأجراها؟

— المؤجر مشي الشهر اللي فات، وأنا جددت الصيانة وقفلتها.. كنت شايلاها للزمن، والزمن جه يا عماد.

شقة الزمالك دي كانت شقة والدي الله يرحمه، صغيرة بس عريقة، كنت مأجراها من سنين وبسحب إيجارها أضيفه على معاشي، ومن غير ما داليا ولا شريف يعرفوا أي حاجة عنها. هما كانوا فاكرين إن معاشي الـ 14 ألف جنيه هو كل ما أملك في الدنيا، وما كانوش يعرفوا إن إيجار  دي لوحده كان بيغطي مصاريف علاج كله وزيادة، بس أنا كنت بصرف على البيت عندهم وبدفع الفواتير وبسيب فلوسي تتراكم في الوديعة اللي عماد عاملها لي.

قعدت على الكنبة، وعماد قعد قدامي وفتح شنطته الجلد:

— اتفضلي يا طنط. دي أوراق الوديعة.. فيها مليون و800 ألف جنيه، أرباح شقة الزمالك ومعاشك اللي كنتِ بتوفريه. وده توكيل الإدارة المالية الشامل. والنهاردة بالليل.. يمدينا ننفذ الخطوة الأولى.

بصيت للأوراق، ورجعت بضهري لورا، وقلت له بصوت هادي جداً:

— شريف عنده عزومة المهمة النهاردة بالليل يا عماد.. مديره في الشغل وأصحاب الشركة. شريف واخد ملف الميزانية التجميعية لشركتهم عشان يعرضه عليهم النهاردة في العزومة، الملف ده فيه غلطة حسابية كارثية في التقدير الضريبي.. لو اتعرضت زي ما هي، شريف مش بس هيترفض.. شريف هيدخل تحت طائلة

عماد حط إيده على دقنه وبص لي بذهول:

— إنتِ كنتِ بتصلحي له الحاجات دي؟

— كنت بصلحها كل مرة يا عماد. كنت بقعد من الساعة 12 بالليل لحد 4 الصبح وأنا عيني  من التعب، عشان أراجع الأرقام وأكتب له الملاحظات في ورقة صغيرة وأحطها جوه الملف، وأقوله “دي ملاحظات بسيطة يا شريف بص عليها”. وكان بياخد المجد كله لنفسه ويقول لمديره إن ده شغله السهرانيين عليه.

— والنهاردة؟

— النهاردة.. الملف معاه من غير الملاحظات بتوعي. وأنا مش هدفع ثمن سكوتي تاني.

في نفس اللحظة دي، كانت الساعة 8 بالليل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى