
شحب وش مدحت، وأصابعه انغرزت في دراع أمي لدرجة إنها صرخت بصوت مكتوم. الممرضة الواقفة عند الباب ما استنتش، خرجت فورًا للطرقة ونادت على أمن المستشفى بصوت عالي.
“أقفي مكانك!”
الكلمة دي خرجت من فرد أمن ضخم ظهر فجأة عند الباب، ووراه واحد تاني. مدحت ساب دراع أمي بسرعة وخطى خطوة لورا، لكن عينيه كانت بتتحرك في الأوضة زي الشخص المحبوس. الابتسامة المترددة اللي كانت على وشه تحولت لملامح مرتبكة، نفس الملامح اللي بشوفها لما تتكشف الصفقات المشبوهة.
الدكتور نزل سماعة التليفون، ووقف بثبات بيني وبين مدحت، وقال ببرود:
“محدش هيتحرك من الأوضة دي لحد ما الجهات الرسمية توصل. الضباط قريبين، والتنفيذ فورًا.”
أمي انهارت على الكرسي الخشب اللي جنب الباب، شنطتها وقعت منها، والفلوس وحاجات صغيرة اتنطرت على الأرض. كانت بتنهد بصوت طالع بالعافية، وتفرك إيديها في بعضها وهي بتبص لمدحت بنظرات كلها توسل ورعب.
مدحت مسح عرقه بكف إيده، وقرب خطوة من أمي، وبص لها بغل وقال بصوت واطي لكنه زي السُم:
“لو فتحتي بقك بحرف واحد عن العقود القديمة… أنتِ اللي هتلبسيها يا وفاء. افتكري كويس مين اللي غطى على أختك في المشروع!”
الكلمة نزلت على أمي زي الصاعقة. جسمها اتصلب، ورفعت عينيها له بذهول.
أنا كنت سامعة كل حاجة. صوته وهو بيوشوشها كان يدوب واصل لي مع صفارة الجهاز اللي جنب سريري. راسي كانت بتدق، وفي ثانية واحدة، فكرة أختي الكبيرة “سلمى” جت في بالي. سلمى اللي اختفت من سنتين، وأمي قالت لي وقتها إنها راحت تسافر للخارج عشان تستقر في شغل تاني، وما شفتهاش من يومها… ولا مرة سمحوا لي أكلمها في التليفون.
“سلمى…” الكلمة خرجت من بين شفايفي الناشفة محبوسة، يدوب صوت هواء طالع من زوري.
الدكتور لاحظ حركة شفايفي، مال عليّ وغطى كتفي بالملاية برفق، وحط إيده على جبهتي وقال بصوت هادي جدًا عكس الصرامة اللي كان بيكلم بيها مدحت:
“اهدي يا حبيبتي… أنتِ هنا في أمان. محدش هيقدر ياخد منك حقوقك تاني.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة وصرخة آلات تنبيه عربيات الشرطة بره المستشفى. صوت السرينة كان بيقرب بسرعة وثبات لحد ما وقف تحت شباك الأوضة.
مدحت اتنفض، وحاول يزق فرد الأمن الواقف عند الباب ويهرب، لكن فردين الأمن مسكوه وكتفوا إيديه ورا ضهره. ضرب رجله في الأرض وهو بيزعق:
“أنتوا مجانين؟ بتلمسوني بصفتكم إيه؟ أنا مش متهم بحاجة!”
خلال ثواني، الأوضة اتملت برجالة الشرطة. دخل ضابط ببدلة ميري، عينيه مسحت الأوضة بسرعة وفي ثواني فهم المشهد. الدكتور قرب منه وبدأ يشرح له الحالة بالتفصيل، وهو بيشاور على المستندات والملفات المالية.
الضابط بصل لمدحت بثقل، وبعدين شاور للعساكر:
“قيدوه.”
“استنى يا باشا!” أمي قامت وهي بتصرخ وتجري ناحية الضابط، “مدحت مالوش دعوة! والله هو مالوش دعوة! أنا اللي وقعت العقود… أنا اللي أمضيت! هو ملوش دخل بالشركة!”
الأوضة كلها سكتت.
أنا نفسي ذهلت. أمي كانت بتشيل التهمة عن الراجل اللي كان بيورطنا كل يوم؟
مدحت بصلها بابتسامة نصر خفيفة ظهرت على طرف شفايفه، وقعد يهز رأسه للضابط كأنه بياكد كلامها.
لكن الضابط ما اتهزش. بص لأمي بجمود، وقالها:
“حضرتك فاكرة إننا بنتعامل مع أول قضية تلاعب؟ السجلات المالية هي اللي بتقول مين اللي بيدير ومين اللي بيوقع بالخفاء.”
الضابط التفت للدكتور وسأله:
“البنت تقرب لك إيه يا مدام؟”
أمي قالت وهي بتعيط بحرقة: “أنا أمها… أمها يا باشا.”
الضابط رد عليها بصرامة هزت الأوضة:
“الأم اللي تغطي على تلاعب مالي يضر أولادها، تتحمل المسئولية القانونية الكاملة. هاتوها معاه.”
العساكر مسكوا أمي ومدحت وخرجوا بيهم للطرقة. مدحت كان بيحاول يقاوم وبيزعق، وأمي كانت بتبص لي وهي بتتجر، ودموعها نازلة من غير صوت، وفي عينيها نظرة رجاء وغدر في نفس الوقت… نظرة وراها سر أعمق بكثير من مجرد التغطية على توقيع عقود.
أول ما الأوضة فضيت، الممرضة قفلت الباب. الصوت هدي، وصوت الجهاز هو اللي بيلالي في الأوضة تاني.
الدكتور قعد على الكرسي اللي جنب سريري، ومسك دفتر وسجل فيه ملاحظات، وبعدين بص لي وقال:
“الشرطة هتحقق معهم، وفي جهات تحقيق هتيجي تسمع أقوالك لما ترتاحي. بس أنا محتاج أسألك سؤال واحد دلوقتي… هل دي أول مرة يضغطوا عليك بالطريقة دي؟”
جمعت كل طاقتي، وحاولت أرفع راسي شوية، وبصيت للدكتور وعيني مليانة دموع، وقلت بصوت مبحوح:
“هو كان بيضغط عليا كل يوم… بس المرة دي كان عاوز يخلص مني… زي ما اختفت ملفات سلمى أختي.”
الدكتور ايديه وقفت فوق الورقة، ورفع عينيه لي باستغراب:
“مين سلمى؟”
قبل ما ألحق أرد، باب الأوضة اتفتح بسرعة، ودخل راجل بملابس رسمية، شكله حاسم، وفي إيده كارت تعريف علقه على صدره… بص للدكتور وقال بصوت واطي ومحدد:
“يا دكتور… التحقيق في القضية دي اتقفل أمره إنه يتحول لقطاع الأموال العامة ومكافحة التهرب فورا. المتهم مدحت عليه بلاغات قديمة بتهم تبييض أموال واختفاء قسري لأصول تجارية… والملفات دي تحت الحراسة المشددة من اللحظة دي.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




