Uncategorized

حكايات زهره الربيع 1

وقفت متسمرة في مكاني والشمس تغرب ببطء، تاركة سحابة رمادية ثقيلة تلف المكان. زوجي كان ينزل في فوهة القبر، حاملاً الجثمان الصغير الملقوف بالثوب الأبيض، والصمت حولنا كأنه يتنفس. في تلك اللحظة بالذات، ونحن على وشك إغلاق الباب الأخير على طفلنا السابع، انحنى زوجي ليضع الصبي في ملحده، وسقطت من جيب جلبابه الداخلي ثنية ورقية صغيرة مطوية بإنعام، سقطت دون أن ينتبه لها، لتستقر فوق العشب الجاف المتاخم لقدمي.

لم يكن سقوط الورقة هو ما لفت انتباهي، بل تلك الرائحة التي فاحت منها لمجرد لامسها الهواء: رائحة زكية، دافئة، ناعمة بوضوح… رائحة مادة زيتية عطرة كنت أشمها في كل مرة أضم فيها أطفالي قبل وفاتهم بساعات. كنت أظنها دائماً رائحة “مسك الأطفال” أو نوعاً من البودرة التي أستخدمها لهم، لكن تلك الرائحة لم تكن من مستحضراتي قط، بل كانت خلطة خاصة جداً لا تفارق ثياب زوجي.

جثوت على ركبتي ببطء مدعية أنني أضع يدي على التراب من شدة الإعياء، والتقطت الورقة في كفي بلمحة خاطفة وأخفيتها في طيات عباءتي. كان قلبي يدق في صدري كطبل حرب، والدم يجري في عروقي كالثلج المذاب. زوجي خرج من القبر، وجهه شاحب، وعيونه مغرورقة بالدموع، ينظر إليّ بنظرة الانكسار والأسى ذاتها التي كان يرتديها عقب كل جنازة… ذات النظرة التي انطليت عليّ لسبع سنوات متواصلة.

عدنا إلى البيت. البيت الذي أصبح مقبرة واسعة تفوح منها ذكريات سبعة أرواح بريئة. انتظرت حتى حل الليل والدجى، وبقي زوجي في الصالة يستمع إلى صوت المذياع بخفوت ويستغرق في نوبة بكاء مكتومة، بينما انسحبت أنا إلى الغرفة المغلقة وفتحت الورقة المطوية تحت ضوء هاتف شاحب.

لم تكن الورقة دجلاً ولا طلاسم، بل كانت مفكرة صغيرة اقتُطعت منها صفحات، مكتوبة بخط يده الدقيق، ومؤرخة بالسنين والأيام:

“الولد الأول: تمت السنة اليوم. الجرعة المحددة من مستخلص نبات (الشوكران المائي/الدفلى) الممزوج بزيت الورد الزكي. لا يترك أثراً في الدم بعد ساعة واحدة، ويتسبب في استرخاء عضلة القلب والموت الهادئ أثناء النوم. الأطباء أكدوا قضاء وقدر.”

“الولد الثاني: تمت السنة اليوم. تمت العملية بنفس الدقة. النتيجة ممتازة. لا أحد يشك.”

تجمّد العقل في رأسي، وسقطت الدموع سالكة طريقاً حارقاً على وجنتي وأنا أقرأ الملاحظات المكتوبة بدم بارد خلف كل اسم من أسماء أطفالي السبعة! كان يوثق حريمه وعياله وموتهم بدقة متناهية، وكأنه يدير تجربة مخبرية أو ينفذ أحكاماً معلقة!

لكن السؤال الأكبر الذي كان يفتك بدماغي ويحطم جمجمتي: لماذا؟ لماذا يفعل هذا بأبنائه الصغار؟ لماذا يتركهم يكبرون أمامي، ينبت لهم سنهم الأول، وينطقون كلمة “بابا” و”ماما”، حتى إذا أتموا عامهم الأول بالتمام والكمال، وحان وقت تسجيلهم وتثبيت وجودهم في الأوراق الرسمية بطريقة معينة… يقتلها بكل بساطة؟ ما هو السر المرعب الذي يجعله يرحب بالحمل وينتظر العام الأول بفارغ الصبر ليطفئ أنفاسهم؟

جلست في الظلام، أسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. المقبض بدأ يتحرك ببطء شديد، ورائحة ذلك الزيت العطري القاتل بدأت تتسلل من تحت الباب.

سكنت حركة المقبض لثوانٍ معدودة قبل أن ينفتح الباب ببطء شديد، ويمرق شعاع خافت من ضوء الصالة ليشق ظلام الغرفة. أغلقت عينيّ فوراً وتظاهرت بالنوم، أحتضن الوسادة بجهد خرافي لمنع أطرافي من الارتعاش. شعرت به يقترب، خطواته حذيرة، خفيفة، ولا تهمس على الأرض. وقف عند رأسي بضع دقائق، كتمت فيها أنفاسي حتى كادت رئتاي تنفجران. كان يتنفس بهدوء، ثم انحنى وبثمينة باردة مسح على شعري، ورائحة الزيت الزكيّ تدور حول وجهي كحبل خنق. مسح دموعه بصوت خفيض، وزفر زفرة حزن طويلة ومصنوعة، ثم انسحب وإغلق الباب خلفه برفق.

في تلك الليلة، لم تغمض لي عين. كنت أستلقي على الفراش وعقلي يحترق بألف سؤال وسؤال. الورقة الملتصقة بصدري تحت ملابسي كانت تحرق جلدي كالجمرة. عرفت “كيف” كان يقتلهم، عرفت المستخلص النباتي السام الذي يمتص سريعاً ولا يترك أثراً في الفحوصات التقليدية، وعرفت أنه كان يمسح به على شفاههم أو أجسادهم الصغيرة في لحظات الوداع الأخيرة ليحدث هبوطاً ناعماً في عضلة القلب يُخيل للجميع أنه موت فجائي أو سكتة قلبية. لكن السر الخفي، اللغز الذي كان يقطع أنفاسي: “لماذا؟” ما الذي يحدث بالظبط عند بلوغ الطفل سن السنة بالتمام؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى