روايات وقصص

حكايات نرمين1

وقفت مكان في ثبات، وما اتهزتش ولا خطوة لورا. بصلت له في عينيه ورفعت راسي وقلت له بنبرة أبرد من بروده اللي كان بيحرقني بيه:
— أه بتهددك يا محمود… ولما أقف قصادك بالأوراق، فده لأنك إنت اللي نسيت الأصول والعهد. إنت اللي عملت حساب لمصلحتك ونفسك ونسيت أبوة عيالك ووقفتي جنبك. والفلوس اللي بتقول عليها “شوية فلوس”، دي كانت دم قلبي ومرتبي وقرضي اللي بياكل من لحمي كل شهر، ومقابل إيه؟ مقابل إنك تروح تتجوز بيهم وتسكنها في الشقة اللي اتبنت بعرقي!

محمود حاول يلمس نقطة ضعفي كالعادة، وبص لي بنظرة إحباط وقال وهو بيحاول يهدي نبرته عشان يضحك عليا تاني:
— يا نهاد استهدي بالله… هو أنا عيل صغير هتدخلي المحاكم بيني وبينك؟ إنتِ عايزة تحرمي العيال من أبوهُم وتفضحين في شغلي وبين أهلي؟ وبعدين الجوازة دي مسألة وقت وحاجة تضمن لي مصلحة جديدة في شغلي، مش معنى كده إني نسيتك ولا نسيت ولادي. تعالي نتفاهم بعقل بعيد عن المحاكم والقضايا.

ضحكت ضحكة مكسورة فيها وجع وسخرية في نفس الوقت، وقلت له:
— تفاهم؟ الكلمة دي كانت ينفع تتقال لما دخلت عليك وطلبت منك تضمن حقي بإرادتك، لما أخويا جه ويكلمك بالمعروف وإنت قلّيت أدبك عليه وطردته! وقت التفاهم عدى يا محمود من اللحظة اللي كتبت فيها كتابك وجيت تقول لي بمنتهى البرود “الفرح الشهر الجاي”.

في اللحظة دي، دخل ابني الكبير اللي في تالتة إعدادي من أوضته، كان سامع الصوت كله ومتابع الموقف من ورا الباب. قرب مننا ووشه شاحب، وبص لأبوه وقال بصوت متلخبط بس فيه زعل حقيقي:
— بابا… هو صحيح إنت هتتجوز على ماما؟ وهي ماما دفعت معاك في البيت ده عشان تجيب حد تاني يعيش فيه؟

محمود اتفاجئ بوجود ابنه، وتحول موقفه لارتباك، محبش يبان بالصورة دي قدام أولاده، فقال له بحدة عشان يداري موقفه:
— ادخل أوضتك يا زياد! دي حاجات كبار ماليش دعوة بيها، ادخل جوة وما تتدخلش في اللي مالكش فيه!

بس زياد ما تحركش، وبص لأبوه وقال:
— لا يا بابا، ده بيتنا وماما بتتعب طول النهار في المدرسة وتيجي تدفع الفواتير والمصاريف. أنا بشوفها كل شهر وهي محتارة تكفي مصاريفنا إزاي، وحضرتك بتاخد الإيجار تصرفه!

الكلام نزل على محمود زي المطرقة. حس إن سلطته وهيبته جوة البيت بدأت تتهز مش بس قدامي، لكن قدام عياله كمان. سابنا ودخل أوضته وقفل الباب على نفسه بعنف.

وطيت على الأرض، وجمعت الأوراق ورتبتها تاني في الملف. زياد جه وساعدني، ومسك إيدي وقال لي:
— متخافيش يا ماما، أنا كبرت وهقف جنبك ومش هسيب حد يظلمك.

كلامه إداني جرعة قوة مش طبيعية. مسحت دموعي وقلت لنفسي إن الضعف خلاص ملوش مكان هنا.

تاني يوم، أخدت إجازة من المدرسة وطلعت على مكتب المحامي اللي كان مسك ملف القضايا بتاعي. قعدت معاه وشرحت له اللي حصل ورسائل التهديد أو الوعود المكتوبة اللي كانت بيني وبين محمود على الواتساب، والتحويلات البنكية. المحامي ابتسم بثقة وقال لي:
— الأوراق دي مع الرسائل اللي بيعترف فيها بإنه هياخد الفلوس يسدد لك منها كفيلة إنها تثبت الشراكة المادية بينكم في بناء العقار، ناهيكِ عن إننا نقدر نمنعه من تصرف الشقة دي بأمر قضائي تحفظي لحد ما القضايا تتحسم.

بعدها بيومين، وصل لمحمود أول إنذار على يد محضر بإثبات الحق والنزاع المالي، بالإضافة لطلب تمكين مشترَك من الشقة اللي ناوي يتجوز فيها.

محمود لما استلم الإنذار، القوة والبرود اللي كان بيتظاهر بيهم اختفوا تماماً. جه البيت في نفس اليوم، بس المرة دي ما كانش بيزعق ولا بيأمر… كان راجل وشه مسودّ من القلق والارتباك، لأن الإنذار ده كان معناه إن موضوع جوازته الجديدة بقى مهدد بالفشل قبل ما يبدأ، خصوصاً إن أهل العروسة الجديدة كانوا فاكرين إنه بيمتلك العقار بالكامل وبدون أي ديون أو نزاعات أسرية.

وقف محمود قدامي في الصالة، والملف في إيده، وقال بصوت خافت ومخنوق:
— إنتِ بجد عملتيها يا نهاد؟ بجد بعتي لي محضر على الشغل وعلى البيت؟ إنتِ عايزة تخربي بيتك وتضيعي مستقبلي؟

رديت عليه بصرامة ووداني مش سامعة غير صوت حقي وحق عيالي:
— إنت اللي خربت البيت من اليوم اللي افتكرت فيه إن تضحيتي واجب، وإن حقي مالوش قيمة. والإنذار ده مجرد بداية يا محمود… الفرح اللي بتقول عليه الشهر الجاي، مش هيتم في الشقة دي، ومافيش ست هتدخل بيت اتبنى بعرقي إلا لما أخد حقي ناشف ومكتوب وموثق في الشهر العقاري!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى