
بصيت له وقلت:
— تعال هنا الأول… إنت صحيح رحت خطبت؟
سكت لحظة، وبعدين قال بكل برود:
— آه.
— يعني إيه آه؟
— خطبت وكتبت كتابي كمان.
اتجمدت مكاني.
— كتبت كتابك؟!
قال:
— أيوه، والفرح الشهر الجاي.
وبكل بساطة لف ضهره ومشي.
انهرت وفضلت أعيط وأصرخ:
— بعد كل اللي عملته معاك؟ بعد ما حوشت مرتبي وخدت قرض عشان البيت ده؟ دي مكافأتي؟
الكاتبه_نرمين_عادل_همام
وقف عند الباب وقال بمنتهى البرود:
— إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ أنا مش أول راجل يتجوز على مراته، ولا آخر واحد.
وسابني واقفة مكاني…
مكسورة، ومش عارفة أصدق إن الراجل اللي ضحيت عشانه سنين، كان شايف كل ده مجرد واجب عليّا….يتبع
دخل محمود دارته، وقفل الباب وراه بصوت قاسي ساب صداه يتردد في أركان البيت الكبير اللي بنيته بعرقي ودمي. كنت واقفة في نص الصالة، حاسة إن جدران العمارة الفخمة دي بتضغط على صدري وبتخنقتي. كل طوبة فيها افتكرت سعرها، كل دفعة من القرض افتكرت اليوم اللي كنت بخصمها فيه من مصاريف الولاد ومن صحتي ونومي عشان أفي بوعدي معاه.
الولاد كانوا قاعدين في أودتهم مرعوبين من صوت صراخي، خرجت البنت الصغيرة ذات الخمس سنين، وهي بتفرك في عينيها وبتمسك في طرف طرحتي:
— بابا زعلان ليه يا بابا؟ هو أنتم بتتخانقوا تاني؟
نزلت على ركبي، وحضنتها بقوة وأنا بحاول أداري شهقاتي، بس دموعي كانت أسبق مني. إزاي أقول لعيالي إن أبوهُم رد لي الجميل بصفعة؟ إزاي أقول لإبني الكبيرة اللي في تالتة إعدادي إن البيت اللي كنا بنحلم بيه بقى سكن لست تانية هتشاركهُم وأبوهُم مش شايف لي أي قيمة؟
في اليوم ده، ما نمتش. كنت قاعدة على أرضية الأوضة طول الليل، بفكّر في كل جنيه خرج من إيدي، في كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي طقم جديد أو أخرج مع زميلاتي في المدرسة عشان أصرف على بنزين عربية محمود أو أدفع فواتير البناء. اكتشفت إن الحب والمشاركة عنده كانوا مجرد غطاء لنرجسية ومصلحة شخصية. هو استخدم ذكائه وهدوءه، وحنيته المزيفة، عشان يوصل للي عايزه… ولما العمارة كملت وبقت باسمه، بقيت أنا ورقة واترمت.
تاني يوم الصبح، دخلت المدرسة وأنا زي الخيال. عيوني كانت متورمة ووشي أصفر. زميلتي اللي نقلت لي الخبر جت قعدت جنبي، ولما شافت حالتي مسكت إيدي وقالت:
— نهاد… أنا أسفة إني قلت لك، بس ما كانش ينفع تسكتي. محمود ناوي يجيبها في الشقة اللي في الدور التاني، الشقة اللي كنتِ بتجهزيها للإيجار!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. الشقة اللي دفعت آخر دفعة من المقاول عشان تخلص تشطيباتها، عايزه يأثثها ويدخل فيها واحدة تانية على قفايا!
ساعتها حسيت بحاجة اتكسرت في قلبي، وحاجة تانية لاتولد فيا… القهر لما بيزيد عن حده بيتحول للقوة.
رجعت البيت قبل ما محمود ييجي، وطلبت إخواتي يجوا فوراً. أخويا اللي كان محمود قل أدبه عليه دخل وكان واخد على خاطره مني ومنه، بس لما شاف كسرتي وانهياري، مسكني من إيدي وقال:
— حقك مش هيروح يا نهاد، بس إنتِ السبب، إنتِ اللي سلمتيه نفسك ومرتبك من غير ما تضمنسي ورقة واحدة. الراجل ده مش هيمشي بالمعروف، ده حاسبها صح من أول يوم.
قلت له وأنا بصوت مخنوق بس فيه حسم:
— أنا مش هسيب حق الولاد، ولا هسيب الشقا اللي شقيته. أنا مش هعيش في دور الضحية اللي بتقعد تعيط في الأوضة وبتتفرج على جوزها وهو بيجيب ست تانية في بيتها.
أخويا قال لي:
— القرض باسمك يا نهاد، والمرتب بيلف على بنك وراه بنك. محمود كاتب الأرض والعمارة باسمه هو بس. القانون مش بيعترف بالوعود الشفهية ولا بالحب. لو مشيتِ سكة القضا، هتحتاجي إثباتات انك حطيتي الفلوس دي في البنا.
من اللحظة دي، بدأت أفتش في كل حتة. دورت في درج مكتبي، في الشنط القديمة، في حساباتي البنكية. جمعت كل كشوف الحسابات اللي بتثبت إن مرتبي كان بيتحول، وإني سحبت قرض الـ 200 ألف جنيه بتحويلات مباشرة لحساب المقاول ولشركات مواد البناء اللي محمود كان بيتعامل معاها. جمعت كل وصل وفاتورة مكتوب فيها اسمي أو فيها تحويل من حسابي.
وبعد أسبوع، جه محمود البيت. كان داخل بنفس البرود، كأن مفيش حاجة حصلت، ومعاه شنط فيها هدايا وأقمشة جديدة.
بص لي وقال بنبرة آمرة:
— نهاد، الشقة اللي في الدور التاني محتاجة شوية تنظيف، هاتي حد ينضفها عشان العفش الجديد هيوصل الأسبوع الجاي.
وقفت قدامه بصلابة ما شافهاش فيا طول الـ 15 سنة اللي اتجوزنا فيهم، وقلت له:
— الشقة دي مش هتدخلها رجلك ولا رجل غيرك يا محمود.
ابتسم بسخرية وقال:
— إنتِ اتجننتِ ولا إيه؟ العمارة دي بتاعتي، وأنا أعمل فيها اللي أنا عايزه.
طلعت ملف الأوراق والمستندات وحطيته على الترابيزة بيني وبينه، وقلت بصوت ثابت:
— الأرض باسمك، صح… بس الفلوس اللي اتبنت بيها العمارة دي، نصها قروض ومستحقات من مرتبي، والتسليمات والتاريخ بيثبتوا إن فلوس المقاول خرجت من حسابي أنا مش من حسابك. إنت قدامك حلين لا ثالث لهما: يا إما تكتب لي شقتين من العمارة دي بأسامي ولادك وليا، كضمان لحقي وحقهم… يا إما المحامي بتاعي هيرفع عليك دعوى إثبات حق وإعادة مال، وهعمل لك قضية تمكين، وقضية نفقة وشهر إفلاس على القرض اللي مش عارف تسدده لوحدك.
ملامح محمود اتغيرت فجأة. البرود اللي كان في وش يتلاشى، والضحكة الساخرة اختفت، وبص لي بنظرة أول مرة أشوفها في عينيه… نظرة راجل اكتشف إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه، وإن الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومستسلمة، قررت أخيراً تشيل قناع الطيبة وترد الصفعة.
اتغيرت ملامح محمود في اللحظة دي، والنظرة اللامبالية اللي كانت على وشه تحولت لغضب مكتوم، وشفايفه بدأت تترعش وهو بيحاول يستوعب إن الست اللي كانت بتتوسل له عشان يضمن حقها بقت واقفة قدامه بأوراق ومستندات وتهديد واضح ومباشر.
قرب مني بخطوات سريعة، ووشه احمرّ من كتر الغيظ، ومسك ملف الأوراق اللي كان على الترابيزة بغشم ورماه في الأرض، وزعق بصوت هز أرجان الصالة:
— إنتِ بتهدديني يا نهاد؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟! نسيتي إني جوزك وولي أمرك وأبو عيالك؟ جاية بعد العمر ده كله تقفي قصادي بالأوراق والمحامين عشان شوية فلوس دفعتيها لبيتك وعيالك؟




