عام

عزومة اخويا حكايات رومانى مكرم 1

لأن وشه كان مألوف جدًا بالنسبة لي.

مألوف… بطريقة مرعبة.

وأخويا بص لي وقال بهدوء غريب:

“اتفضلي… ده الشخص اللي كنت عايزك تقابليه.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
وقتها بس فهمت إن موضوع الليلة
مش عزومة رمضان عادية.

لكن عمري ما كنت أتخيل…
إن المقابلة دي
هتفتح باب سر قديم كنت فاكرة إنه اتقفل للأبد.

دخل الراجل وخطواته تقيلة على الأرض، وكل خطوة كان ليها صوت يرن في ودني زي ضربات طبل مخيفة. وقف في وسط الصالة، قلع نظارته الشمسية، وبص لي مباشرة. عينيه كانت حادة، وفيها نظرة شوفتها زمان… نظرة ما بتتمحيش من الذاكرة مهما عدت السنين.
كنت واقفة ماسكة في طرف المفرش بتاع السفرة، صوابعي ابيضت من كتر الضغط. ولادي كانوا بيضحكوا جوة في الأوضة مع ولاد حسن، وأصوات ضحكهم كانت بتوصل لي من بعيد كأنها جاية من عالم تاني خالص.
حسن أخويا قرب مني، حط إيده على كتفي، لكن إيده المرة دي كانت دافية بشكل يربك. بص لي وقال بصوت واطي ومتردد:
“اقعدي يا أختي… اقعدي ونادي على منى نجيب الشاي ونقعد كلنا.”
قعدت على طرف الكنبة، مش حاسة برجلي. الراجل قعد قصادي، وحط شنطة جلد سودة كانت في إيده على الترابيزة. منى خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية الشاي، إيدها كانت بترتعش والفناجين بتخبط في بعضها، حطت الصينية وقعدت جنب جوزها من غير ما تنطق ولا كلمة، وعينيها متعلقتين في الأرض.
الراجل اتنحنح، وبص لحسن وقال:
“أستاذ حسن… أظن الوقت جه إننا نتكلم بصراحة. أنا لفيت كتير عشان أوصل للمكان ده، ولولا إنك اتصلت بيا الأسبوع اللي فات، كنت زماني فتحت المحاضر القديمة تاني.”
بصيت لحسن وأنا مش فاهمة حاجة، الريق جف في حلوقي. قلت بصوت بيترعش:
“محاضر ايه؟ وشخص مين ده يا حسن؟ في ايه اتكلموا! الراجل ده أنا شفته قبل كده… الراجل ده كان صاحب المرحوم… صح؟ ده ‘توفيق’ اللي كان شغال معاه في الشركة!”
الراجل ابتسم ابتسامة باهتة وفيها حزن قديم، وقال:
“صح يا مدام… أنا توفيق. بس أنا ما كنتش مجرد صاحب لزوجك الله يرحمه… أنا كنت الشريك اللي اتظلم، واللي اتهموه إنه سرق العمارة والفلوس قبل ما زوجك يتوفى بأسبوعين.”
قلبي كان حاسس إن في كارثة حكايات رومانى مكرم بتترتب. قلت له بحزمة غضب دفاعية:
“جوزي الله يرحمه مات شريف، وما ظلمش حد! أنت جاي بعد السنين دي كلها تفتح كلام فارغ في بيتنا وفي رمضان؟”
توفيق بص لحسن، وما ردش عليا، بل فتح الشنطة الجلد وطلع منها ملف أصفر قديم، ومجموعة أوراق شكلها متآكل من الزمن. حط الأوراق على الترابيزة ومشيها ناحيتي.
“أنا ما جيتش أتتهم زوجك يا مدام… أنا جيت أرجع حقي، وأصلح غلطة أخوكي حسن شارك فيها بقاله سنين.”
الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لحسن، لقيت وشه أصفر زي الورد الدبلان، وعينيه مليانة دموع.
قلت له بصوت مخنوق:
“حسن… الراجل ده بيقول ايه؟ رد عليه! قول له إنه كذاب!”
حسن نزل على ركبه قدامي، مسك إيدي الاثنين، وعينيه كانت بتنزل منها دموع حارة. حكايات رومانى مكرم صوته كان بيترعش وهو بيقول:
“سامحيني يا أختي… سامحيني والله العظيم ما كان قصدي أؤذيكي، أنا كنت فاكر إني بالحركة دي بحميكي أنت والعيال.”
“تحميني من ايه يا حسن؟ اتكلم!”
حسن بلع ريقه وبدأ يتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل على قلبي تقطع فيه:
“قبل ما زوجك يتوفى بشهر… كان في أزمة مالية كبيرة في الشركة. توفيق صاحبه حط كل حيلته معاه، لكن الأوراق كلها كانت باسم زوجك. لما جوزك عمل الحادثة ومات فجأة… الشركة كان عليها ديون وفي نفس الوقت ليها أصول وفلوس كتيرة متأخرة عند الناس. أنا… أنا لما جيت أراجع الأوراق بعد الوفاة، توفيق جالي وقال لي إن ليه نص الشركة بالأوراق.”
توفيق دخل في الكلام بهدوء قاسي:
“وأنا اديت لأخوكي كل الإثباتات وقتها… بس أخوكي خاف إن الفلوس تروح، وخاف إن الديون تأكل ورثك وورث عيالك. فعمل إيه؟”
توفيق سكت لحظة، وبص لحسن اللي كان مغطي وشه بإيديه وبيعيط بقمة العجز.
كمل توفيق كلامه:
“أخوكي اتفق معايا وقتها إني أختفي… أخد جزء صغير من حقي وأسيب باقي الورق معاه، ومقابل ده، هو يكتب العمارة والبيت باسمك أنت عشان يضمن إن ما حدش من الدائنين يلمس حق عيالك. بس الحقيقة اللي أخوكي مخبيها عنك طول السنين دي… إن الفلوس اللي كان يصرف بيها عليك وعلى ولادك، واللي كان بيقولك إنها من جدعنته ومن جيبه الخاص… كانت أرباح حقي أنا اللي كان بياخدها من مشروعات زوجك القديمة وما بيدهالنيش!”
وقفت من مكاني فجأة، وراجعة لورا خطوتين. حاسة إن السقف بيقع عليا.
يعني الأمان اللي كنت عايشة فيه طول السنين دي… كان مبني على سرقة؟
حسن اللي كنت شايفاه سند وأب بديل لولادي… كان بياكل حق راجل تاني عشان يغذيني أنا وولادي؟
بصيت لمنى، لقيتها بتعيط وبتقول:
“والله يا أختي ما كنت أعرِف غير من أسبوع بس! لما توفيق وصل لحسن وهدده إنه يوديه في داهية وبالقضايا لو ما أخدش أرباحه وحقه اللي حسن حاطط إيده عليه طول السنين دي… حسن ما كانش قصده يسرق، كان خايف عليكِ!”
صريخة خرجت من قلبي:
“خايف عليا يطعمني حَرَام؟ خايف عليا يبني لي أمان مزيف على حساب ظلم ناس تانية؟”
حسن قام وقف، وحاول يمسك إيدي وهو بينتحب:
“يا أختي أفهميني… الأوراق كان فيها ثغرات، لو كنت سِبت توفيق يرفع قضايا وقتها، كان البيت اللي أنت قاعدة فيه اتقفل بالشيء الفلاني والعيال كانوا هيترموا في الشارع! أنا عملت كده عشانكم… الفلوس اللي كنت بديهالك كانت حقك، بس أنا اتزنقت وما قدرتش أدفع لتوفيق نصيبه لما الدنيا ناظت معايا السنة اللي فاتت، فهو قرر يفضح كل حاجة النهاردة!”
توفيق وقف، وأخد الملف من على الترابيزة وقال بصوت صارم:
“أنا ما جيتش أعمل مشكلة في رمضان يا مدام… أنا جيت أقولك إن العمارة اللي أنت قاعدة فيها، نُصفها المالي قانونًا بتاعي بناءً على عقود شراكة قديمة أخوكي خباها عن المحكمة وقت إعلام الوراثة. وأنا إما أسترد حقي… إما العمارة دي هتتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي!”
الكلمات كانت بتخبط في دماغي زي المطرقة. العمارة اللي عايشة فيها أنا وولادي؟ سقفنا والستر بتاعنا متهدد؟
بصيت لأخويا حسن… الشخص اللي كنت فاكراه الجبل اللي بتسند عليه، لقيته قدامي مجرد إنسان ضعيف، غلط غلطة عمره ودبسنا كلنا فيها.
ولادي خرجوا في اللحظة دي من الأوضة على صوت الزعيق، ابني الكبير بص لي وقال بطفولة:
“ماما… في ايه؟ هو عمو حسن زعلان منك؟”
أتجمدت في مكاني. توفيق بص للعيال، وبعدين بص لي وقال:
“قدامك يجي أسبوع يا أستاذ حسن… يا تجيبلي بقية حقي كاش، يا إما الورق ده هيروح للنيابة الصبح، وساعتها مش بس العمارة هتروح… أنت كمان هتتسجن بتهمة التزوير وإخفاء مستندات الوراثة.”
توفيق أخد شنطته ومشي، وساب باب الشقة مفتوح والريح الخفيفة بتدخل منه.
البيت اللي كان ريحته محشي وشوربة، أتحول في ثواني لساحة إعدام.
حسن قعد على الأرض مش قادر يشيل نفسه، ومنى بتعيط جنب رجله.
وأنا واقفة في النص… بين أخويا اللي ضحى بسمعته ودينه عشان يحميني بطريقة غلط، وبين ولادي اللي أمانهم أتهد في لحظة، وبين حقيقة مرعبة إن كل قرش دخل بيتي السنين اللي فاتت كان وراه سر أسود.
بصيت لحسن وقلت له بصوت هادي بشكل يرعب:
“أنا مش هسيبك تتسجن يا حسن… بس أنت قتلت جويا أحلى حاجة كنت عايشة بيها.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى