
“اتكلمي! اسمه إيه؟!” زعق في التليفون بصوت اللي كان قاعد فيها.
“اسمه الأستاذ طارق… المهندس طارق.”
أول ما سمع الاسم، إيده اتجمدت على التليفون. طارق؟ طارق مين؟
ذاكرته رجعت بيه أربع سنين ورا… أيام ما كان هو وهي لسه في مصر، قبل ما يسافر السعودية. طارق ده كان جارهم في الشارع اللي وراهم! كان راجل هادي، محترم، مالي هدومه، وكان في وقت المشاكل القديمة بيتدخل عشان يحل بالمعروف بين الزوجين قبل ما توصل للطلاق. ساعتها، الزوج كان بيتعامل مع طارق بتكبر، وكان بيقول له: “خليك في حالك يا باشمهندس، دي مراتي وأنا حر فيها، أعلقها، أطلقها، ده شيء ما يخصكش!”
طارق وقتها قال له جملة واحدة ومشامشي: “الظلم وحش يا ابن الناس، والستات مش سبايا، والدنيا بتدور.”
الزوج افتكر الجملة دي بالظبط، وغلى في عروقه. الوجع المضاعف، والصفعة اللي أخدها على وشه، كانت إن الراجل اللي حاول ينصحه بالمعروف زمان، هو نفسه اللي أخد مراته بالحلال بعد ما هي حررت نفسها منه بالقانون!
صرخ في التليفون وهو مش قادر يتنفس:
“طارق؟! طارق اللي كان بيتدخل بيننا؟! هو ده اللي اتجوزها؟! ده كان حاطط عينه عليها من زمان إذن؟! ده اتجوزها عشان يكسرني؟!”
ردت أخته وهي بتحاول تهديه:
“يا أخي اتقِ الله! الراجل اتجوزها بعد ما هي اتخلعت وسابت البيت بقضايا وورق رسمي، وبعد ما عدتها خلصت تماماً والموضوع بقى شرعي ورسمي مية بالمية! الناس بيقولوا إنها عاشت العذاب معاك، ولما المحكمة أنصفتها، الراجل اتقدم لأهلها على سنة الله ورسوله، وأهلها رحبوا بيه لأنه راجل خلوق وبيصونها. أنت اللي سيبتها معلقة فاكر إنك مالك الكون، وهما عاشوا حياتهم عادي جدًا ولا فارق معاهم وجودك من عدمه!”
الكلام ده بدل ما يخليه يراجع نفسه أو يستغفر ربنا، جنّنه زيادة. الأنا الكذابة اللي عاش بيها أربع سنين، الفكرة اللي كان بيتباهى بيها قدام أصحابه في السعودية وهو بيقول: “أنا سايبها زي البيت المهجور، لا طلاق ولا جواز”، كل ده اتمسح في لحظة! بقى هو الشخص الأبله اللي اتضحك عليه، هو اللي كان فاكر نفسه صياد وطلع هو الضحية في نظر نفسه.
قال لأخته بنبرة كلها غل وشر:
“اقفلي التليفون ده خالص. أنا نازل مصر بكرة. هقطع إجازتي وهنزل! العقد ده باطل! الخلع ده باطل! أنا ما تبلاغتش، أنا مش موافق! هي مراتي، وطارق ده هوديه في ستين داهية، وهرفع عليهم قضية جمع بين زوجين وفضيحة هخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يلعبوا معايا!”
أختهصرخت فيه:
“أنت تجننت؟! قضية إيه وجمع بين زوجين إيه؟! المحكمة هي اللي حكمت بالخلع! الورق رسمي ومثبت في السجل المدني وفي وزارة العدل، والجواز الثاني رسمي ومسجل وموثق في السفارة! أنت لو نزلت وعملت شوشرة مش هتاخد غير الفضيحة لنفسك ولأهلك، والناس كلها هتضحك عليك لأنك أنت اللي سيبتها وربنا فرجها عليها!”
لكن هو ما كانش بيسمع. الغضب كان عاميه. قفل السكة في وش أخته، ودخل على طول على موقع الطيران، حجز أول طيارة نازلة القليوبية والقاهرة.
طول الرحلة في الطيارة، كان قاعد مش طايق الكرسي اللي قاعد عليه. أفكاره كانت بتاكله. يتخيلها وهي عايشة مع طارق، يتخيلهم في قطر مبسوطين، عندهم طفلين، بيتضحكوا وعايشين حياتهم الطبيعية، وهو طول الأربع سنين دي كان فاكر إنه كاتم على نفسها ومانع عنها الهوا! يتخيل نظرة الناس ليه لما يعرفوا إن الست اللي قال “مش هطلقها لو قعدت عشر سنين” اتخلعت منه في هدوء تام، وعاشت حياتها طول الفترة دي وهو أخر من يعلم!
وصل مطار القاهرة، وخرج زي المجنون. ما راحش حتى بيته يغير هدومه ولا يرتاح من السفر. أخد شنطته وطلع على طول على محامي قديم كان يعرفه.
دخل على المحامي، رمى الشنطة في الأرض وقعد على الكرسي وهو بيتنفض:
“يا أستاذ… مراتي اتخلعت مني وأنا مسافر، واتجوزت راجل تاني وسافرت معاه قطر وخلفت منه! الكلام ده باطل! أنا ما جاليش علم بالخلع، أنا عايز أرفع قضية بطلان خلع، وعايز أرفع قضية على الراجل ده، وعايز أرجع مراتي لعصمتي فوراً!”
المحامي بص له بذهول واندهاش، وقعد على مكتبه وبدأ يسمع منه التفاصيل. ولما عرف إن الموضوع عدى عليه أربع سنين، وإن الخلع صادر من محكمة الأسرة بناءً على إجراءات إعلان رسمية وتم إعلانه على محل إقامته المسجل في مصر وتعين له حكمين ومرت كل المراحل القانونية، المحامي هز رأسه بأسف وقال له:
“يا باشا انت بتتكلم في إيه؟! خلع إيه اللي تلغيه بعد أربع سنين؟! القانون واضح. طالما استوفى الخلع الشروط الشكلية والموضوعية وتم الإعلان على العنوان المقيد في الأوراق الرسمية، وصدر الحكم وحاز حجية الأمر المقضي به، وانقضت مواعيد الطعن، الحكم بقى بات ونهائي. الست عدتها انتهت من أربع سنين، وبقت أجنبية عنك تماماً. جوازها الثاني جواز شرعي وقانوني مية بالمية، وأولادها مسجلين بشرع الله والقانون. أنت مالكش أي حق عندها، ولو حاولت تقرب لها أو تعمل أي تصرف طائش، هما اللي يقدروا يرفعوا عليك قضية تعرض وتهديد ويحبسوك!”
الزوج وقف من على الكرسي، وشّه اسودّ، وقال بصوت مبشوح:
“يعني إيه؟! يعني هي تضحك عليا؟ تتجوز وتخلف وتعيش، وأنا أطلع في الآخر ولا حاجة؟! القانون بيحميها وهي بتستغفلني؟!”
المحامي رد عليه بصرامة ووضوح:
“القانون ما استغفلكش، انت اللي استغفلت نفسك! انت اللي فاكر إنك لما تسيب ست معلقة وتظلمها وتسافر وتسيبها لا هي متجوزة ولا هي مطلقة، إنها هتفضل قاعدة تحت رجلك تستنى رحمة حضرتك! الدين والقانون ادوها حق إنها ترفع أذاك عنها. هي مش ملكك، هي إنسانة. انت اللي رفضت تطلق بالمعروف، فالمحكمة قطعت الرابطة دي بالقانون.”
خرج الزوج من مكتب المحامي وهو حاسس إن الدنيا بتلف بيه. الشوارع اللي كان بيمشي فيها زمان وهو حاسس بإنه راجل البيت وسيد القرار، بقت دلوقتي بتفكره بخسارته.
ما قدرش يستسلم. عقله المريض وغروره الجريح ما سمحولوش يستوعب الحقيقة. قرر إنه يروح لبيت أهلها بنفسه!
وصل الشارع اللي فيه بيت أهلها. الشارع كان هادي. مشي بجهل وبخطوات سريعة لحد ما وصل لمدخل العمارة. طلع السلم وهجم على شقة أهلها، وبدأ يخبط على الباب بقوة وهيستيريا، خبط هز العمارة كلها.
جيران كتير فتحوا أبوابهم يبصوا في صدمة.
وبعد لحظات، اتفتح باب الشقة…
لكن اللي فتح ما كانش أبوها، ولا أمها.
اللي كان واقف ورا الباب، كان المهندس طارق بنفسه!
كان نازل إجازة من قطر هو وهي والأولاد، وقاعدين في بيت حماه لسه واصلين من يومين!
وقف طارق عند الباب، هادي، ملامحه واثقة، يبص للزوج القديم اللي واقف قدامه بياكل في نفسه، هدومه متبهدلة من السفر، وعيونه طالعة منها شرارات الغيظ والجنون.
الزوج أول ما شاف طارق واقف جوه الشقة، اتجنن وصرخ في وشّه:
“أنت… أنت واخد مراتي يا طارق؟! أنت داخل بيت نسابي وقاعد فيه؟! فاكر نفسك اتجوزتها؟! دي مراتي أنا! الخلع ده لعبة، وأنت أخدت حاجة مش بتاعتك!”
طارق بص له بمنتهى الهدوء، ووقف سادد الباب بجسمه عشان الزوج القديم ما يشوفش اللي جوه، ومن وراه كان صوت طفل صغير بيبكي وصوت الست طالع من جوه بتقول لزوجها الجديد في خوف: “مين ده يا طارق؟ في إيه؟”
طارق رد بصوت ثقيل وواثق، صوت راجل عارف إنه صح ومفيش في موقفه أي غلطة:
“اخفض صوتك يا بني آدم… انت في بيت ناس محترمين. الست اللي بتتكلم عنها دي زوجتي أنا، على سنة الله ورسوله، بعقد شرعي موثق قدام ربنا والدولة. انت نسيت نفسك ولا إيه؟ انت اللي سيبتها زمان فاكر إنك كاسرها ومكتفها، فاكر إن ربنا مش شايفك؟ انت سيبتها للزمن، ربنا عوضها باللي يصونها ويحترمها ويعوضها عن السنين السودة اللي شافتها معاك.”
الزوج قدم خطوة وهو رافع إيده يحاول يزق طارق:
“أنا مش هسيبك! هطردكم كلكم، وهرفع قضايا، وهعرف مصر كلها إنك خدت مراتي!”
طارق مسك إيد الزوج القديم بقوة وحزم، ورجعها لورا بمنتهى السهولة، وبص له في عينيه وقال له كلمات نزلوا على قلبه زي السم:
“ترفع قضايا على مين؟ انت بقالك أربع سنين غايب، عايش في وهمك وفرحان بظلمك. الست اتخلعت بأمر القاضي اللي حكم بالعدل بعد ما شفتوا العجب منك ومن أهلك. جوازنا شرعي، وولادنا اثنين من صلبنا، وعايشين في خير ونعمة انت عمرك ما كنت هتقدر توفرهم لها. لو فاكر إنك راجل بإنك تعلق ست، فأتمنى تكون راجل دلوقتي وتتحمل نتيجة غباؤك وشرّك. لو ما مشيتش من هنا فوراً، أنا هطلب الشرطة وهعمل لك محضر عدم تعرض وتعدي على حرمة ملكيتنا، وساعتها هتبات في التخشيبة وتعرف مين فينا اللي بيعرف يجيب حقه بالقانون!”
في اللحظة دي، خرج أبو الزوجة القديمة من جوه، راجل كبر في السن لكن ملامحه كانت صارمة. وقف جنب طارق وبص للزوج القديم بطلب واحتقار وقال له:
“امشي من هنا يا ابن الناس. انت مالكش حاجة عندنا، ومالكش عين تبص في وشنا. ربنا أخد حق بنتي منك ومن غير ما نمد إيدنا عليك. انت اللي حكمت على نفسك بالخسارة، ودلوقتي امتدت أيدين المحترمين وطهروا حياتها منك. امشي وبطل قلة أدب قبل ما نطلب لك الأمن.”
الزوج كان واقف على البسطة بتاعة السلم، الجيران كلهم طلعوا يتفرجوا عليه. الناس اللي كان بيتباهى قدامهم زمان إنه “سايبها معلقة وماسكها من إيدها اللي بتوجعها”، واقفين دلوقتي يبصوا له بنظرات الشفقة والاحتقار. كل خطة الانتقام اللي رسمها في دماغه طوال السنين اللي فاتت اتكسرت على صخرة الواقع.
رجع خطوتين لورا، حاسس بالخزي والعار بيغطوه. ما كانش قادر يرد، ولا قادر يرفع عينه في عين طارق اللي واقف بحبات عرق بسيطة على وشّه وثبات غير عادي، ولا في عين الجيران اللي عارفين الحكاية من بدايتها لنهايتها.
لف وشه وبدأ ينزل السلم بخطوات ثقيلة ومكسورة، وصوت طارق بيتردد في وذنه: “انت اللي حكمت على نفسك بالخسارة… ربنا عوضها باللي يصونها.”
نزل الشارع، وكانت الشمس بدأت تغرب. الشوارع غرقانة في الزحمة وهو ماشي مش عارف يروح فين. التليفون في جيبه ما بيبطلش رن من أخته وأهله اللي عرفوا إنه وصل ورايح الشقة. لما رد على أخته بصوت ميت، أخته قالت له وهي بتعيط:
“أنت رحت هناك يا أخي؟ عملت إيه؟ ارجع يا ابن الناس، الناس كلها في المنطقة بقوا بيتكلموا عليك! كل أصحابك وأقاربنا عرفوا باللي حصل! عرفوا إنك كنت فاكرها معلقة وهي متجوزة وخلفة من أربع سنين وعايشة أحسن عيشة في قطر! أنت فضحت نفسك وفضحتنا معاك!”
الزوج وقف في نص الشارع، التليفون وقع من إيده على الأرض، واكتشف الحقيقة المرة اللي حاول يهرب منها:
المركب مشيت، والحياة كملت، والست اللي كان فاكر إنه سجنها، كانت هي الحرة الوحيدة في القصة… وهو اللي كان مسجون جوه وهمه وغروره طوال أربع سنين، وصحى في الآخر عشان يلاقي نفسه خسران كل حاجة: مراته، كرامته، وهيبته قدام أهله وناسه.



