عام

طفلتى حكايات اسما 2

آدم سألها:

— طب ليه مريم قالتلي إن أبوها مات قبل ما يشوفها؟

— علشان ده اللي كنت أعرفه وقتها… ولأني كنت خايفة أقولها إن أبوها اختفى ومحدش عارف مصيره.

آدم سكت لحظات.

وبعدين سأل:

— طب وياسين وآدم؟

سلمى وشها اتغير.

— دول ولادي.

— من جوزك؟

سلمى هزت راسها.

— ياسين من جوزي الله يرحمه.

آدم اتردد قبل ما يسأل:

— وآدم الصغير؟

سلمى بصت ناحية الشباك.

وسكتت.

آدم حس إن فيه سر تاني.

— سلمى، أنا مش بحاسبك على حياتك، ولا ليا حق أسألك عن حاجة تخصك… بس لو أبويا بيهدد الأطفال، لازم أفهم السبب.

سلمى بصتله ودموعها نزلت.

— آدم الصغير… ابني بالتبني مش بالنسب. أنا بكفله من يوم ما اتولد.

آدم اتفاجئ.

— بتكفليه؟

— أيوه. أمه ماتت بعد ولادته، وأبوه مش موجود.

— ومين أبوه؟

سلمى سكتت.

وبعدين قالت:

— مش هقدر أقولك دلوقتي… لأن فيه ناس ممكن تتأذى.

آدم اتنهد.

— طيب مش هضغط عليكي.

لكنه كان حاسس إن الطفل الصغير ده وراه سر أكبر من كل اللي سمعه.

تاني يوم الصبح، آدم صحى على مكالمة من كريم.

— آدم بيه، لازم تيجي المكتب فورًا.

— في إيه؟

— فيه حاجة غريبة حصلت في ملفات الشركة.

— اتكلم يا كريم.

— امبارح بالليل، حد حاول يدخل على الأرشيف الإلكتروني القديم، ويمسح ملفات من سنة اختفاء عمر بيه.

آدم انتفض.

— مين؟!

— لسه مش عارفين، بس فريق التقنية وقف العملية، وعندنا سجلات بالدخول.

آدم قال بسرعة:

— حافظوا على السجلات، ومحدش يلمس الأجهزة. وخلي المستشار القانوني يراجع الإجراءات.

وبعدها قفل.

بص للأطفال اللي كانوا نايمين في الأوضة المجاورة لسلمى.

مريم كانت حاضنة أخوها ياسين، والرضيع آدم نايم جنبهم في سريره.

آدم قرب منها بهدوء.

وفجأة مريم فتحت عينيها.

— عمو آدم؟

— صباح الخير يا حبيبتي.

— ماما خفت؟

— أحسن شوية الحمد لله.

مريم ابتسمت.

— ممكن أسألك سؤال؟

— طبعًا.

— هو حضرتك هتسيبنا زي باقي الناس؟

آدم حس بغصة.

— ليه بتقولي كده؟

— علشان كل اللي كانوا بيقولوا إنهم هيساعدونا، كانوا بيمشوا بعد شوية… ومحدش بيرجع.

آدم قعد جنبها.

— أنا مش هسيبكم لوحدكم يا مريم.

البنت بصتله بفرحة.

— بجد؟

— بجد.

وفجأة قالت:

— عمو آدم، هو إنت عندك أخ اسمه عمر؟

آدم اتجمد.

— أيوه… ليه؟

مريم قامت بسرعة، وفتحت شنطتها القديمة.

طلعت منها ظرف بني صغير.

— ماما قالتلي لو شفتك أديك ده… بس قالتلي أستنى لما أتأكد إنك طيب.

آدم مد إيده وأخد الظرف.

كان مكتوب عليه بخط يعرفه كويس:

“إلى أخويا آدم… لو الورق ده وصلك، يبقى الحقيقة أخيرًا لقت طريقها ليك.”

آدم حس إن قلبه هيقف.

ده خط عمر!

نفس الخط اللي كان بيكتبله بيه جوابات زمان.

فتح الظرف بإيد بتترعش.

لقى جواه ورقتين وصورة صغيرة ومفتاح نحاس قديم.

الورقة الأولى كانت رسالة.

بدأ يقرأ:

“آدم…

لو بتقرأ الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مقدرتش أرجعلك بنفسي.

أنا عارف إنك ممكن تكون مصدق إني مت، لكن الحقيقة إن فيه ناس كانت عايزاني أختفي علشان أسكت.

أنا اكتشفت حاجات خطيرة عن شغل بابا، وحاولت أواجهه، لكنه اختار يحمي اسمه وفلوسه بدل ما يسمعني.

أنا مش عارف الأيام الجاية مخبية إيه، لكن لو حصللي حاجة، متصدقش كل اللي هيتقالك.

ندى مراتي، ومريم بنتي، وليهم حق في اسمي وميراثي.

وسلمى ملهاش ذنب في أي حاجة. هي ساعدتني أحافظ على المستندات، ودفعت تمن ده من حياتها.

المفتاح اللي مع الجواب هيوصلك لمكان فيه الحقيقة كاملة.

بس أوعى تروح لوحدك.

أخوك عمر.”

آدم وقف وهو مش قادر يتنفس.

قلب الورقة.

لقى عنوان مكتوب:

“الإسكندرية — العجمي — فيلا الياسمين — المخزن رقم 7.”

وتحت العنوان جملة أخيرة:

“لو لقيت الساعة اللي اتكسرت يوم الحادثة، هتعرف مين كان سايق العربية.”

آدم رجع قرأ الجملة أكتر من مرة.

الساعة؟

أي ساعة؟

وفجأة افتكر.

يوم جنازة عمر، أبوه كان لابس ساعة دهب قديمة، وزجاجها مكسور.

ولما آدم سأله عنها، قاله إنها وقعت منه وهو رايح المستشفى بعد الحادثة.

وقتها ما اهتمش.

لكن دلوقتي…

كل حاجة بقت مختلفة.

بعد ساعتين، آدم كان في مكتبه الرئيسي في التجمع الخامس.

كريم مستنيه ومعاه ملفات كتير.

أول ما دخل، كريم وقف.

— آدم بيه، فيه معلومات لازم تعرفها.

آدم قعد وقال:

— قول.

كريم فتح ملف.

— عمر بيه قبل اختفائه كان مسؤول عن مراجعة عقود الأراضي والمستشفيات التابعة للمجموعة.

— عارف.

— قبل الحادثة بأسبوع، قدم اعتراض رسمي على نقل ملكية مستشفى الرحمة القديم لشركة تابعة للمجموعة.

آدم رفع عينه.

— مستشفى الرحمة؟! ده المكان اللي سلمى كانت بتشتغل فيه!
— بالظبط.

كريم كمل:

— والأغرب إن المستشفى كانت أصلًا ضمن ميراث والدة سلمى، لكن حصلت سلسلة تنازلات وتوكيلات نقلت الملكية.

آدم قال:

— عايز أعرف إذا كانت التوكيلات سليمة ولا لأ.

— المستشار القانوني بيراجعها دلوقتي.

كريم سكت لحظة.

— وفي حاجة تانية.

— إيه؟

— يوم حادثة عمر بيه، فيه محضر شرطة اتعمل، لكن البيانات اللي فيه مختلفة عن اللي اتقال للعيلة.

آدم قرب منه.

— مختلفة إزاي؟

— العربية اتحرقت، واتسجل إن السائق مجهول الهوية في البداية. وبعدها اتضاف اسم عمر بيه، بناءً على إفادة شاهد.

— مين الشاهد؟

كريم بصله بتردد.

— السائق الخاص بفؤاد بيه وقتها.

آدم حط إيده على المكتب.

— يعني مفيش إثبات قاطع إن عمر كان في العربية؟

— الملف اللي معانا مش كافي للجزم، ولازم نجيب صورة رسمية من المحضر وتقرير الطب الشرعي.

آدم سكت.

وبعدين قال:

— كريم، عايزك تتواصل مع محامي جنائي مستقل، ونقدم طلب رسمي لمراجعة الأوراق. مش عايز أي خطوة مخالفة للقانون.

— حاضر يا فندم.

آدم قام.

— وأنا هروح إسكندرية.

كريم اتفاجئ.

— دلوقتي؟

— أيوه.

— طب استنى أجيبلك حراسة.

آدم افتكر وصية عمر.

“أوعى تروح لوحدك.”

قال:

— هتيجي معايا، ومعانا المحامي لو قدر يلحقنا.

في نفس الوقت…

كان فؤاد الشاذلي قاعد في مكتبه القديم، وقدامه راجل في الخمسينات اسمه منصور.

منصور كان مدير أمن المجموعة من سنين طويلة.

فؤاد خبط المكتب بعصبية.

— إزاي آدم وصل لسلمى؟!

منصور رد بتوتر:

— البنت الصغيرة راحت السوبر ماركت اللي آدم بيشتري منه، والموضوع حصل بالصدفة.

فؤاد صرخ:

— مفيش حاجة اسمها صدفة!

منصور سكت.

فؤاد سأله:

— والورق؟

— مش لقيناه يا باشا.

— يعني إيه مش لاقينه؟!

— فتشنا البيت قبل ما الإسعاف تيجي، لكن الظرف اللي بندور عليه مكانش موجود.

فؤاد قام من مكانه.

— يبقى مع البنت!

منصور هز راسه.

— غالبًا.

فؤاد بص من الشباك وقال:

— لازم أعرف آدم عرف إيه.

منصور اتردد.

— يا باشا، الموضوع كبر، والأحسن نوقف كل ده.

فؤاد لف له بعصبية.

— إنت هتعلمني أعمل إيه؟!

منصور قال بصوت واطي:

— أنا بس بفكرك إن اللي حصل من تسع سنين ممكن يتفتح تاني… وساعتها مش هنقدر نتحكم في النتيجة.

فؤاد سكت.

وبعدين قال:

— عمر كان المفروض يسمع كلامي من الأول.

منصور رفع عينه.

— عمر بيه كان عايز يحمي الناس اللي اتظلمت.

فؤاد بصله بحدة.

— وإنت من إمتى بقيت بتدافع عنه؟!

منصور نزل عينه.

— أنا تعبت من السر ده يا باشا.

فؤاد قرب منه وقال:

— السر ده لو خرج، كلنا هنروح في داهية.

منصور رد بجملة خلت فؤاد يتجمد:

— بس فيه حد تاني عارف الحقيقة… وحد حضرتك فاكره مش هيقدر يتكلم أبدًا.

فؤاد اتغير وشه.

— تقصد مين؟!

منصور قال:

— الراجل اللي كان في العربية ليلة الحادثة.

في الطريق لإسكندرية، آدم كان ساكت طول الوقت.

كريم حاول يكلمه أكتر من مرة، لكنه كان شارد.

كان بيفكر في أخوه.

في سلمى.

وفي مريم.

إزاي طفلة صغيرة قدرت تفتح باب اتقفل من تسع سنين؟

وإزاي أبوه قدر يخبي عنه كل ده؟

بعد حوالي تلات ساعات، وصلوا لفيلا قديمة في العجمي.

الفيلا كانت مهجورة، والسور مليان شروخ، والحديقة اتحولت لأرض مليانة حشائش.

آدم وقف قدام الباب الحديد.

— دي فيلا جدي القديمة.

كريم بصله باستغراب.

— حضرتك تعرفها؟

— كنت باجي هنا وأنا صغير مع عمر… بس أبويا قال إنها اتباعت من سنين.

فتحوا الباب بالمفتاح اللي كان في الظرف.

دخلوا بحذر.

الفيلا كانت مليانة تراب، والأثاث متغطي بملايات قديمة.

آدم افتكر طفولته.

افتكر عمر وهو بيجري معاه في الحديقة.

افتكر ضحكهم.

وفجأة حس بدموعه بتنزل.

كريم قال بهدوء:

— المخزن رقم سبعة غالبًا في المبنى اللي ورا.

راحوا ناحية مبنى صغير ملحق بالفيلا.

كان فيه صف من الأبواب الحديد القديمة، وكل باب عليه رقم.

وقفوا قدام الباب رقم 7.

آدم طلع المفتاح.

إيده كانت بتترعش.

حطه في القفل.

ولفه.

الباب اتفتح بصوت صرير عالي.

جوا المخزن كان فيه مكتب خشب صغير، وكرسي، وصندوق حديد قديم.

آدم قرب من الصندوق.

كان مقفول بقفل أرقام.

لكن فوقه ورقة مكتوب عليها:

“تاريخ ميلاد أخويا الصغير.”

آدم ابتسم وسط دموعه.

دخل تاريخ ميلاده.

القفل اتفتح.

رفع الغطا.

لقى جواه ملفات، وشرائط تسجيل قديمة، وفلاشة، وساعة دهب زجاجها مكسور.

آدم مسك الساعة.

— دي ساعة أبويا!

كريم قرب.

— متأكد؟

— أيوه… نفس الساعة اللي كان لابسها يوم جنازة عمر.

لكن لما قلبها، لقى على ظهرها حروف محفورة:

“ع. ش.”

عمر الشاذلي.

آدم اتصدم.

— دي كانت ساعة عمر… أبويا قال إنها ساعته!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى