
لفّت مريم لأحمد وقالتله كلمة واحدة هزت أركان الفيلا:
— ورقة طلاقي توصلني على بيت بابا بكره الصبح… ولو متوصلتش، الصفقات اللي شايلة شركتك هتتقفل كلها في ظرف 24 ساعة، والسجن هيبقى مصيرك بسبب القروض اللي باسمك وضامنها بابا!
أحمد وقع على ركبه تقريبًا وهو بيصرخ:
— مريم لأ! أرجوكي اسمعيني! مريم بلاش تهدّي بيتنا بعد 11 سنة!
مريم ما بصتلوش حتى ولا إدتلو ظهرها بكسرة… مشيت بخطوات ثابتة وواثقة، وكل المعازيم كانوا بيبعدوا عن طريقها بإحترام وخوف، والكل بيبص لنوال وأحمد بنظرات شماتة وتحقير.
خرجت مريم من باب الفيلا، والميه بتسيل منها، بس قلبها لأول مرة من 11 سنة كان حاسس بالدفء والحرية. وقفت بره الفيلا، وطلعت موبايلها اللي كان في جراب ضد الميه، واتصلت برقم.
رد صوت راجل كبير بس مالي هدومه وفيه هيبة:
— أيوة يا مريم يا حبيبتي… الحفلة خلصت؟ أبعتلك السواق بالهدية الجديدة؟
مريم اتنهدت تنهيدة طويلة، وابتسمت ابتسامة انتصار وقالت:
— لأ يا بابا… الحفلة يلا دوبك بدأت. وأنا عايزة كل أوراق الشراكة اللي بينك وبين شركة أحمد… تبقى على مكتبي بكره الساعة 9 الصبح!
رنة الموبايل وهي خارجة من الفيلا كانت نغمة النهاية لحياة قديمة، وبداية جحيم جديد هي اللي هتتحكم في ناره.
ركبت مريم عربيتها التاكسي بعد ما رفضت تطلب السواق، كانت عايزة تقعد مع نفسها وفي الميه وهي بتسيل منها، تتأمل في شكل الخيبة اللي استمرت 11 سنة. كل نقطة ميه نازلة من الفستان كانت بتغسل معاها ضعفها، وسكوتها، وطيبتها الزايدة اللي اتفهمت غلط على إنها قلة حيلة.
وصلت مريم قصر والدها في المعادي. أول ما دخلت من الباب، كان والدها، صبري باشا، قاعد في المكتب مع المستشار القانوني للمجموعة. بص عليها وهي مبلولة، وفستانها الدهبي مبقع ومبهدل، وشعرها لازق على وشها.
صبري باشا وقف على حيله بسرعة، وعينيه اتملت غضب ومشاعر أب شايف بنته الوحيدة راجعة مكسورة الخاطر:
— مريم! إيه اللي حصل ده؟! مين اللي عمل فيكي كده؟!
مريم وقفت بصلابة، ومسحت وشها وقالت بصوت ملوش أي علاقة بصوت البنت الضعيفة اللي كانت بتتحايل على جوزها من ساعة:
— اللي حصل يا بابا إنه جه الوقت اللي نفوق فيه من الوهم. أحمد وأمه وقرايبه افتكروا إن سكوتي ضعف، وإن أصل الطيب اللي تربيت عليه قلة أصل منهم… النهاردة رمرموني في حمام السباحة قدام المعازيم، وجوزي واقف يضحك معاهم ويقولي “وطي صوتك هتفضحينا”.
صبري باشا ضرب كفه على المكتب بقوة هزت الأبواب الأركت:
— ولد قليل الأدب والتربية! أنا أعدمه العافية! أنا هخسرهم اللقمة اللي بياكلوها!
مريم قربت من والدها، وحطت إيدها على إيده وابتسمت ابتسامة هادية بس تخوف:
المستشار القانوني، الأستاذ فاروق، ابتسم وهو بيبص لمريم بتقدير وقال:
— أمرك يا مريم هانم… الأوراق جاهزة من زمان، وحضرتك معاكي التوكيل العام بإدارة الأسهم والشركات القابضة. نقدر نبدأ من الصبح.
في الوقت ده، في فيلا التجمع الخامس، كانت الحفلة اتحولت لمأتم.
المعازيم انسحبوا واحد ورا التاني بنظرات همس وتهامس وشخصيات بتضحك في سرها على نوال وابنها. نوال كانت قاعدة على الكنبة في الصالون وشها أصفر، وماسكة مفاتيح العربية البورش اللي مريم رمتها على الأرض. المفاتيح كانت مبلولة، ونوال كانت بتبصلها وركبتها بتخبط في بعضها.
أحمد كان رايح جاي في الصالون زي المجنون، يمسك شعره ويصرخ:
— عملتي إيه يا أمي؟! عملتي إيه؟! دي بنت صبري المحروقي! أنتِ عارفة يعني إيه صبري المحروقي؟! يعني الشركة اللي أنا شغال فيها دي بتاعته! يعني الشقة اللي إحنا قاعدين فيها بالتقسيط المريح كان هو اللي ضامنها لي! يعني الاعتمادات المستندية اللي بمليارات في البنوك باسمي، صبري المحروقي هو الضامن الوحيد ليها!
نوال ردت بصوت مرعوب وبتحاول تدافع عن نفسها:
— وأنا إيش عرفني يا أحمد؟! هي كانت بتجيلي بأبسط الهدوم، وما بتمسكش موبايل غالي، وكل ما نسألها عن أبلة صبري تقول متقاعد وقاعد في البيت! كنت فاكراها بنت ناس على قد حالهم وأنت أخدتها شفقة!
أحمد صرخ بصوت هز الفيلا:
رانيا وداليا كانوا واقفين في الزاوية خايفين يفتحوا بقهم، ورانيا قالت برعب:
— أحمد… هي قالت إنها هترفع علينا قضية بالشروع في الإيذاء ومعاها الفيديو… إحنا ملناش دعوة، أمك هي اللي غمزتلنا علشان نزقها!
نوال وقفت وصرخت في رانيا:
— جتك موة يا بت أنتِ وهي! بتلبسوها لي أنا؟! ما أنتم اللي كنتم نازلين تريقة عليها وعلى جسمها من أول ما دخلت!
وفي وسط الصراخ ده كله، موبايل أحمد رن.
بص في الشاشة، كان اسم “الرئيس التنفيذي للمجموعة” — الأستاذ رفعت، دراع صبري المحروقي اليمين.
أحمد إيده كانت بترتعش وهو بيفتح الخط:
— ألو… أهلاً رفعت بيه…
جاله صوت رفعت البارد القاسي زي الجليد:
أحمد حس إن الأرض بتلف بيه:
— رفعت بيه… أرجوك، الموضوع ده فيه سوء فهم شخصي بيني وبين مريم، وأنا…
رفعت قطعه بصرامة:
— مريم هانم صبري المحروقي يا أحمد… ومش سوء فهم. الأوامر جتلنا مباشر منها هي شخصياً بصفتها رئيس مجلس الإدارة الجديد للمجموعة. سلام.
السكة اتقفلت.
الموبايل وقع من إيد أحمد على الأرض واتكسر نصين.
نوال جرت عليه وهي بتصرخ:
— قالك إيه يا أحمد؟! اتكلم يا بني!
أحمد بص لأمه بعينين ميتة، عينين مفيهاش أي أمل، وقال ببطء شديد:
— بيت بياكلنا… والخراب جه يا أمي. مريم مش بس هتطلقني… مريم هتحبسني!
في الصباح الباكر، الساعة 8:30 صباحاً، كانت مريم واقفة قدام المراية في قصر والدها.
كانت لابسة بدلة رسمية باللون الأسود الملكي، شعرها مرفوع لفوق بثبات، ومكياج هادي بيبين ملامح وشها القوية والحادة. مفيش أي أثر للبنت اللي كانت بتستحمل التريقة والإهانة.
نزلت مريم وركبت عربية مرسيدس سوداء مظللة، ووراها عربيتين حراسة، واتجهت لمقر الشركة الرئيسي في التجمع الخامس — نفس المنطقة اللي شهدت إهانتها امبارح.
وصلت مريم الشركة الساعة 9 بالضبط.
أول ما دخلت من الباب الزجاجي الضخم، كان كل الموظفين ورؤساء القطاعات واقفين في صفين بيستقبلوها، والكل بيؤدي التحية لرئيس مجلس الإدارة الجديد.
مشيت بخطوات واثقة وهيبة هزت المكان، ورأسها مرفوع للسما.
وفجأة… وهي ماشية في الممر الرئيسي متجهة لمكتبها المكيف، شافت أحمد واقف عند الباب.
كان شكله يزعل… هدومه متكرمشة، عينيه حمرا من كتر العياط والسهر، ووشه باهت. أول ما شافها، جرى عليها وحاول يترما تحت رجلها قدام الموظفين كلهم:
مريم وقفت مكانها، وبصتله من فوق لتحت بنفس النظرة اللي أمه كانت بتبصلهالها امبارح… نظرة احتقار ولامبالاة.
وقربت منه وقالت بصوت هادي وواضح سمع كل الموظفين المذهولين:
— لما كنت بترجاك امبارح وتدافع عني، قلتلي “وطي صوتك هتفضحينا”… ودلوقتي أنت جاي تتفضح برغبتك؟ أما بالنسبة لأمك… فالله يشفيها علشان تقف على رجلها وتشوف بعينيها ابنها وهو بيلبس البدلة الزرقا!
لفت مريم لرجال الأمن وقالت ببرود:
— يترفض أمنياً من دخول المبنى، ويترسّخ عليه قرار المنع من السفر فوراً.
الموظفين مسكوا أحمد من دراعاته وجروه لبره وهو بيصرخ وبيبكي زي الأطفال، ومريم كملت طريقها لمكتبها بخطوات ثابتة، ودخلت وقعدت على الكرسي الجلد الكببيث، وفتحت أول ملف… ملف القضية.




