
هدى ضحكت ضحكة رنانة وقالت بوقاحة: “نسيت يا عبده؟ نسيت لما خليتك توقع لي على ورقة بيضاء بحجة إنها توكيل للمستشفى والتأمين لما كنت تعبان ومحجوز؟ أنا كتبت الشيك على الورقة المتبصمة والموقعة منك يا فالح! والقانون لا يحمي المغفلين، الشيك بدين مباشر واجب التنفيذ، يا تدفعوا المليونين يا الشقة دي هتباع في المزاد العلني وباباك يدخل السجن لحد ما يموت!”
إيمان وقعت على الأرض من كثرة البكاء، وبابا مسك صدره وجاته نوبة تنفس حادة، وقعد على أقرب كرسي وهو بينهج ومش قادر يتنفس من شدة القهر والغدر!
المحامي والرجالة بدأوا يتحركوا يفتشوا الشقة ويعلموا على العفش، وهدى واقفة تبص لي بتشفي وقالت: “ها يا سارة؟ فين الجرأة بتاعتك؟ وريني هتنقذي أختك وأبوكي إزاي من السجن والشارع!”
في اللحظة دي، الكل كان فاكر إني اتكسرت.. إني هبكي أو أترجاها.. بس أنا ابتسمت! ابتسامة أبرد من الثلج وأشرس من أسد مجروح!
طلعت موبايلي من جيبي وبصيت لهدى وقالت لها بصوت واطي ومريح جداً: “إنتي بجد فاكرة إنك أذكى مني يا هدى؟”
هدى اتلاكمت وقالت: “إنتي بتهذي؟ المحكمة قدامها شيك موقع ومبصم أصل!”
رديت عليها بثبات: “صح.. الشيك موقع ومبصم أصل، بس إنتي نسيتي حاجة صغيرة أوي.. نسيتي إن بابا أعمى في عينه اليمين من خمس سنين وعنده شلل جزئي في بصمة إيده اليمين بتقرير طبي رسمي من المستشفى الحكومي من سنة 2021!”
المحامي بتاع هدى وقّف حركة إيده فجأة وبص لها بذهول، وأنا كملت كلامي بحدة: “وبابا لما بيتفاوض أو يوقع على أي حاجة رسمية، بيستخدم بصمة صباعه الإبهام الأيسر فقط بموجب قرار قومي طبي مسجل في بطاقته الشخصية وفي الشهر العقاري! الورقة اللي إنتي سرقتيها وبصّمتي بابا عليها وهو مخدر ومريض في المستشفى، إنتي بصّمتيه بإيده اليمين وهو غايب عن الوعي!”
هدى وشها اصفر والدم هرب من عروقها في ثواني!
ما سكتش، كملت وأنا بفتح الباب على آخره: “مش بس كده يا هدى.. أنا كنت متوقعة الحركة القذرة دي منك من يوم ما مسكت عليكي القضايا القديمة! عشان كده عم أحمد المحامي رفع قضية طعن بالتزوير والتصلب الصلبي فوراً، والطب الشرعي عين هيئة خبيرة فحصت بصماتك أنتِ وبنتك على أصل الشيك المزيف اللي قدمتيه للمحكمة الأسبوع اللي فات!”
في اللحظة دي بالذات، ظهر عم أحمد المحامي عند باب الشقة، ووراه ثلاثة ضباط شرطة بالزي الرسمي!
عم أحمد دخل وبص لهدى ومحاميها وقال بثقة: “أهلاً يا أستاذ.. النيابة العامة أصدرت أمر ضبط وإحضار عاجل للست هدى ولمحاميها بتهمة التزوير في أوراق رسمية واستغلال مريض، والتزوير الجنائي لشيك بدون رصيد، بالإضافة لتنفيذ الأحكام القديمة الهاربة منها!”
الضابط تقدم بكل حسم، وكلبش إيدين هدى، وإيدين المحامي بتاعها اللي كان بيحاول يهرب ويقول: “أنا ماليش دعوة يا باشا! هي اللي جابت لي الورقة وقالت لي إنها حقها!”
هدى بدأت تصرخ وتتلوى زي الحية المضروبة: “سيبوني! يا عبد الله الحقني! يا سارة أرجوكي سامحيني! والله بنتي ملهاش ذنب! سيبوني!”
بنتها قعدت تصرخ على السلم وتشد في شعرها وهي شايفها أمها بتتكلبش وتتجر قدام العمارة كلها، والستات والبياعين في الشارع خرجوا يتفرجوا ويقفوا يصوروا الفضيحة اللي كانت أستاذة فيها!
أنا وقفت عند باب الشقة، ماسكة إيد إيمان، وبابا واقف ورانا مرفوع الرأس بعد ما ردت له روحه. بصيت لهدى وهي بتترصص في بوكس الشرطة وقلت لها بصوت أعلى من صراخها: “اللي يحفر حفرة لأختي، بقع فيها ويتردم عليه يا هدى.. ودي كانت أخر صفحة في كتابك القذر!”
اتقفل باب البوكس، ومشيت عربية الشرطة وهي بتعمل سرينة الفضيحة في المنطقة كلها.
رجعت الشقة، قفلت الباب الحصين بتاعنا، وجريت على بابا وإيمان. أخدنا بعض في أحضان دافئة طويلة، بكى فيها بابا دموع الارتياح والاعتذار، وبكت فيها إيمان دموع الشفاء الخالص من كل عقدة وقهر عاشته.
مرت الأيام والشهور.. هدى أخدت حكم مشدد بالسجن ٧ سنين في قضايا التزوير والابتزاز وتنفيذ الأحكام، وبنتها طردت من الكلية بسبب قضايا التشهير والفساد الأخلافي واضطرت تسيب المحافظة كلها وتعيش في دار رعاية ومأوى بعيد عن الناس.
أما أنا، فخلصت جامعتي بتقدير امتياز ورجعت استقريت في بيتنا جنب بابا وإيمان. وإيمان رجعت لضحكتها القديمة، لشعرها الجميل، ولشخصيتها الواثقة اللي نسيت الطيبة الزايدة والضعف، واتعلمت إن الحق عايز قوة تحميه.
وقعدنا أنا وهي في بلكونة شقتنا، الشقة اللي ماما سابتها لنا طاهرة ونظيفة، بنشرب الشاي وبنبص للسماء، وأنا ببتسم وبقول لها: “ها يا تؤامي.. حد يقدر يدوس لك على طرف تاني؟”
إيمان بصت لي بعيون بتلمع أمل وقوة، وحضنتني وهي بتقول: “مفيش حد يقدر.. طول ما ليّ أخت تؤام اسمها سارة!”




