روايات وقصص

اتجوزت حكايات رومانى مكرم 2

لكن المفاجأة الكبرى التي زلزلت أروقة القاعة هي تقديم المستندات الحاسمة! محامِينا قدم دليلاً جديداً ومفاجئاً، عبارة عن حافظة مستندات رسمية وموثقة من الشهر العقاري والجهات المصرفية تثبت بالدليل القاطع أن الوديعة وشقة الأب تؤول ملكيتها قانوناً وشرعاً لنادية دون أدنى شبهة تزوير أو تلاعب من الطرف الآخر.

القاضي الجليل اطلع على الأوراق، ونظر إلى محامي الخصم وقال بصوت حاسم: “الأوراق واضحة كالشمس، وحكم محكمة أول درجة بات وصحيح، ولا مجال لأي طعن كيدي جديد!”

محامي الخصم حاول الاسترحام لتخفيف الرسوم القضائية، لكن القاضي أصدر حكمه النهائي برفض الاستئناف وإلزام المستأنفين بالمصاريف القضائية كاملة وتأييد أحكام صحة ونفاذ عقود الميراث لصالح نادية.

مدحت رجع البيت وهو بيضحك وبيدمع من شدة الفرحة، حضنني وقال: “حقك اترد بالقانون والشرع يا نادية.. العدل اتطبق والشرع خد مجراه النهائي بدون أي عودة للخلف.”

لكن لما جه الليل، وأنا نايمة في سريري والبيت كله ساكن، صحيت على صوت خبيث ومريب جاي من باب الشقة الخارجي.. صوت محاولة فتح الباب بمفتاح مصطنع على مهل من برة!

قمت بالراحة وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش، مشيت بخطوات بطيئة جداً وبصيت من العين السحرية.. لقيت خيال سيد أخي واقف في الممر ومعه أوراق ومحاضر مزورة ومفتاح قديم للشقة، وبيحاول يفتح الباب بهدوء فاكر إن بالضغط النفسي المباشر والتواجد الليلي هيجبرني على توقيع إقرار بالتنازل عن أحكام المحكمة!

رجعت لورا بخطوات هادئة، كتمت أنفاسي وناديت بصوت مبحوح مكتوم: “مدحت.. مدحت قوم يا مدحت بسرعة!”

مدحت صحي من اللحظة الأولى، وكأن عنده شعور قوي بالخطر المحيط. أول ما شاف الظل الواقف وسمع صوت محاولة فتح الباب بالمفتاح، قام بهدوء واتجه للباب وفتحه فجأة في وجه سيد قبل ما يكمل محاولته.

سيد وقف متفاجئ، وشكitه مبهدل، وكان بيصرخ بصوت واطي ومليء بالجنون: “أنا مش هسيبكم تضيعوا مستقبلي وأحكام القضاء دي! هتدمروا بيتي عشان ورث وشقة؟ أنا أولى بالمكان ده!”

مدحت مسكه من كتفه بحزم وقوة قانونية، ودخله الصالة عشان ما يصحش الجيران، وصوت المشاجرة الخافت صحى كريم ونورهان.

كريم جرى على الصالة ونزل يكلم عمّه بعتاب شديد وبصوت منخفض: “عليك وعلى أفعالك يا عمي! بتيجي بيت أختك بالليل وبالمفتاح المصطنع عشان تضغط عليها؟ دي اللي كانت بتحميك زمان وعاشت عشانكم؟!”

مدحت سيطر على الموقف تماماً، وطلب من كريم الاتصال بالشرطة لتحرير محضر رسمي باقتحام مسكن ليلاً ومضايقة ذوي حقوق، وسيد كان بيبكي بندم مصطنع وخوف من العواقب القانونية الجديدة التي ستضاعف عقوباته في محاكم الجنح.

الشرطة حضرت في دقائق معدودة بناءً على بلاغ مدحت، والجيران استيقظوا على الصوت فشاهدوا سيد أخويا وهو بيخرج مع رجال الشرطة لتحرير محضر رسمي بتهمة انتهاك حرمة مسكن ومضايقات قضائية متكررة. الشارع كله استنكر فعله وطمعه، وسيد كان ماشي موطي راسه في الأرض أمام مرأى ومسمع من الجميع.

بس ضربات الوجع والتقلصات في بطني كانت بتزيد بشكل ملحوظ نتيجة التوتر العصبي الهائل. مدحت شاف وجهي وعرقي البارد، صرخ في كريم: “اطلب الإسعاف يا كريم بسرعة! أمك بتولد قبل الأوان بسبب الضغط العصبي!”

نقلوني لمستشفى الجلاء في حالة طوارئ طبية قصوى. الدكاترة تجمعوا حوليا في غرفة عمليات الطوارئ، دكتورة النسا والتوليد كانت بتبص في السونار والضغط وبتقول لمدحت برة: “الضغط مرتفع جداً والرحم منقبض بشكل حاد بسبب الصدمة العصبية المتكررة.. لازم نعمل عملية قيصرية عاجلة فوراً لحماية الأم والتوأم في مطلع الشهر السابع!”

أنا جوة غرفة العمليات، تحت أضواء الكشافات القوية، كنت حاسة بالبرد وبسمع صوت الأجهزة الطبية اللي بتبتكتك بشكل متسارع. غمضت عيني ودموعي نازلة على خدودي، وبدعي بصوت واطي: “يا رب.. أنا سلمتك أمري وأمر أولادي.. لا تشمت فيا قساة القلوب، ويا رب احفظلي المعجزة اللي رزقتني بيها.”

سمعت صوت الدكتور وهو بيبدأ العملية، وبين كل لحظة ولحظة كانت الدنيا بتظلم في عيني.. وفجأة، وسط الصمت والرهبة، صرخ صوت دافئ ورفيع زلزل الأوضة كلها.. صوت صرخة طفل صغير! وبعدها بثواني معدودة، خرجت الصرخة الثانية لتملأ المكان حياة ونور!

الدكتورة رفعت الأجنة وهي بتكبر وبتبتسم: “مبروك يا نادية.. ولد وبنت زي الفل! معجزة كاملة الخلقة رغم كل الصعاب والنزاعات القانونية!”

نزلت دموعي وأنا بشوفهم للثواني معدودة قبل ما يدخلوهم الحضانة للمتابعة الطبية اللازمة للأطفال المبكرين. خرجت من غرفة العمليات ولقيت مدحت واقف برة، عيونه محمرة من البكاء والدعاء، أول ما شافني على الترولي نزل على ركبتيه وباس راسي وإيدي بحرارة: “حمد لله على سلامتك يا نادية.. ربنا نصرنا بالقانون والعدل، وعوض صبرنا بالخير كله.”

بعد شهرين كاملين..

كنت قاعدة في صالة شقتي، الشمس مالية المكان والدفا مالك كل زاوية. على السرير الصغير جنبي كان نايم “عمر” و”فريدة”، التوأم اللي جه الدنيا برحمة ربنا ورغماً عن كل طمع ومحاكم ونزاعات.

كريم ونورهان كانوا قاعدين حواليهم بيضحكوا معاهم، ومدحت داخل وفي إيده أوراق رسمية موثقة من المحاكم المختصة.

قعد جنبي ومدلي الأوراق وقال بابتسامة مرتاحة ومطمئنة: “دي الأوراق النهائية لكل القضايا يا نادية.. المحكمة أصدرت أحكامها النهائية الباتة والرادعة في النزاعات المدنية وقضايا التعويض والجنح المرتبطة بانتهاك المسكن، وألزمت الجميع بالمصاريف والتعويضات القانونية المستحقة.”

تنهدت من أعماق قلبي، حاسة بعبء ثقيل انشال من فوق صدري للأبد. بصيت لولادي الصغيرين ولزوجي ولأولاده الأجلاء اللي بقوا حمايتي وسندي الحقيقي في الحياة، وقُلت: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. اللي يرمي حموله على ربنا وبالقانون الصحيح، ربنا بيعوضه وبياخد له حقه ويحميه حتى من أقرب الناس ليه لما يتجردوا من الأمانة والأخلاق.”

مدحت مسك إيدي وبص للولاد وقال بابتسامة دافئة: “البيت ده اتملى بركة ونور حقيقي، وحقك وحقهم محفوظ بالقانون والشرع لأخر عمرنا.. ومن النهاردة مفيش أي خوف ولا قلق تاني أبداً.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى