قصص وروايات

حكاوى شيمو1

لكن اللي محدش يعرفه إن قبل العزومة بساعتين، حصل موقف غريب جدًا!

كنت بكلم أختي في التليفون، وبحكيلها اللي حصل، وفجأة قالتلي: ـ استني يا حبيبتي، هو إنتي متأكدة إن الجهاز مش عندك في البيت؟

قولتلها: ـ أيوه يا بنتي، قلبت الشقة كلها!

قالتلي: ـ طب اسمعيني للآخر، أنا مش عايزة أتهم حد، بس فيه حاجة لازم تعرفيها…

وسكتت شوية، وبعدين كملت: ـ أنا كنت عندك من أسبوع، وشفت كيس صغير فوق الدولاب، ولما سألتك ده إيه، قولتيلي حاجات قديمة هتطلعيها. مش يمكن الجهاز جوه الكيس ده؟

أنا قومت جريت على الدولاب، ونزلت الكيس، وفضلت أفتش فيه لحد ما لقيت حاجات قديمة فعلًا، لكن الجهاز ما كانش موجود.

رجعت كلمتها وقلت: ـ لأ يا حبيبتي، مش هو.

قالتلي: ـ خلاص، أنا قلت أسألك بس، وربنا يظهر الحق.

المهم، خلصت العزومة ورجعت بيتي، وكنت مقررة إني مش هتكلم في الموضوع تاني، مهما حصل.

لكن الساعة كانت قربت على نص الليل، وأنا قاعدة مع جوزي، فجأة تليفونه رن.

كان أخوه الكبير بيتصل بيه، وصوته كان متوتر جدًا، وبيقوله: ـ إنت فين؟ تعالى عندي حالًا، فيه مصيبة حصلت!

جوزي قام وقف وقاله: ـ خير يا أخويا؟ فيه إيه؟

رد عليه: ـ تعالى بس، وماتجيبش مراتك معاك دلوقتي.

أنا بصيت لجوزي، وقلبي بدأ يدق بسرعة، خصوصًا لما لقيته بيبصلي باستغراب.

وبعد حوالي نص ساعة، رجع جوزي البيت ووشه متغير تمامًا.

قولتله: ـ فيه إيه؟ أخوك قالك إيه؟

بصلي شوية، وبعدين قال: ـ إنتي مش هتصدقي اللي حصل…

قولتله: ـ حصل إيه؟ خوفتني!

قعد قدامي، وحط إيده على راسه، وقال: ـ مراته كانت عند أختها النهارده، ولما رجعت البيت، لقت أخويا بيفتش في شنطتها، ولما سألته بيعمل إيه، قالها إنه بيدور على حاجة ضايعة منه.

قولتله: ـ حاجة إيه؟

بصلي في عيني وقال: ـ جهاز البراون بتاعك!

حسيت إن الأرض بتلف بيا، وقلت: ـ يعني إيه؟ هو الجهاز عندها فعلًا؟!

قال: ـ استني، الموضوع أكبر من كده…

وقبل ما يكمل، تليفونه رن تاني، وكانت المتصلة هي سلفتي نفسها!

رد عليها، وسمعتها بتعيط وبتقول: ـ إلحقني يا فلان، أرجوك، أنا مش عارفة أعمل إيه!

جوزي قالها: ـ إنتي فين دلوقتي؟

ردت وهي بتشهق: ـ أنا عند ماما، بس لازم تيجي، لأن أخوك عرف كل حاجة!

أنا قلبي وقع في رجلي، وبصيت لجوزي وأنا مش فاهمة حاجة.

وفجأة قاللي جملة خلتني أقف مكاني من الصدمة:

«جهاز البراون مش بس لقوه عندها يا حبيبتي… ده لقوا معاه حاجة تانية، والحاجة دي هي اللي قلبت البيت كله!»

يا ترى إيه الحاجة اللي لقوها مع الجهاز؟ وهل سلفتي كانت فعلًا ناسية ترجعه، ولا فيه سر أكبر من مجرد جهاز براون؟

يتبع…

خرج زوجي من الغرفة وهو يمسك هاتفه بيد لترجف، واليد الأخرى يمررها على شعره في ذهول تام، وصوت بكاء سلفتي الهستيري ينبعث من سماعة الهاتف كأنه فحيح يقطع سكون الليل. نظرتُ إليه بذهول، عقلي يتخبط بين ألف فكرة وفكرة، والأسئلة تتلاطم في رأسي: ما الذي يمكن أن يكون في حقيبتها ويجعل شقيق زوجي الكبير، الرجل الهادئ العاقل، يقلب البيت رأساً على عقب ويطرد زوجته في منتصف الليل؟ وما علاقة جهاز البراون الخاص بي بصلب هذه المصيبة؟

قال لي زوجي وهو يرتدي جاكيته بسرعة وتردد: «خليكي هنا، أوعي تتحركي أو تتصلي بحد، أنا رايح لـ “أحمد” أخويا، الموضوع طلع أكبر بكتير من مجرد جهاز، وبدل ما نكون إحنا اللي بنطالب بحقنا، البيت كله بقى على وشك الانهيار». أغلق الباب خلفه بقوة، ليعم الصمت أرجاء شقتي، لكنه كان صمتاً أثقل من الجبال. قعدت على طرف السرير، أطرافي باردة، والدموع التي تحبست في عيني طوال العزومة أمام حماتي بدأت تنزل في صمت، ليس حزناً على الجهاز، بل رعباً من المجهول الذي يُطبِق على عائلتنا الآن.

مرت ساعتان كأنهما دهر. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً عندما سمعت صوت خطوات زوجي العائدة، مفاتيحه ترتطم بالباب بيدين ترتجفان. أول ما دخل، لم يكن لوجهه أي لون، عينان حمراوان وشعر ثائر، جلس على الكنبة وأسند رأسه بين يديه، وجلس بالصمت لدقائق طوال قبل أن ينطق بحرف واحد.

اقتربت منه وبصوت خافت يخالطه الخوف سألته: «في إيه يا محمد؟ قلقتني، أخوك عمل فيها إيه؟ وإيه الحاجة اللي لقوها مع الجهاز؟». رفع رأسه ونظر إليّ بنظرة ملؤها الخيبة والندم، وقدم لي اعتذاراً بصمته قبل أن يتكلم: «أنا آسف يا حبيبتي.. أسف إني ظلمتك، وأسف إني حسستك إنك بتتفتري أو بتعملي مشكلة من لا شيء. إنتي كنتِ صح، وهي مش بس خدت جهازك وكدبت وحلفت على المصحف زور.. دي غرقانة في مصيبة تانية أصعب بكتير».

بدأ زوجي يحكي لي ما حدث بالتفصيل في بيت شقيقه الكبير:

عندما انتهت العزومة في بيت حماتي، ورجع الجميع إلى منازلهم، كانت سلفتي تظن أن الأزمة انتهت تماماً بحلفانها الكاذب أمام الجميع، وأنها استطاعت إحراجي وإسكاتي للأبد. لكن زوجها، أخو زوجي الكبير، لم يكن مرتاحاً للصرامة والتحدي الذين ظهرت بهما، خصوصاً أنه يعرف أنني لا أتبلى على أحد، وأن لغة جسدها أثناء الحلفان على المصحف كانت مضطربة جداً، ووجهها اصفرّ لثوانٍ قبل أن تستجمع شجاعتها المزيفة.

بعد العزومة، استأذنت سلفتي وذهبت لزيارة أختها ساعتين لتهدئة أعصابها كما ادعت. وفي هذه الأثناء، كان زوجها يقف في منتصف شقتهما، والحيرة تأكله. قرر أن يدخل غرفة نومهما ويفحص دولابها وحقائبها، ليس شكاً في أخلاقها، بل رغبة منه في إثبات براءتها لنفسه حتى يقطع الشك باليقين ويرد لي حقي أو ينهي الخلاف للأبد.

بدأ يفتش في الأدراج العميقة، ثم وصل إلى أعلى الدولاب، حيث توجد حقيبة سفر كبيرة مغلقة بسحاب ذي قفل صغير. تذكر أن هذه الحقيبة تخصها وحدها ولا تفتحها أمامه أبداً. بحث عن المفتاح في درفتها حتى وجده، وعندما فتح الحقيبة.. كانت الصدمة.

في القاع، وتحت أكياس ملابس قديمة، وجد علبة جهاز البراون الخاصة بي كاملة بأوراقها وأجزائها! ولكن، بجانب علبة الجهاز مباشرة، كان هناك صندوق خشبياً صغيراً مقفولاً. دفعه الفضول والريبة لكسر القفل الصغير للصندوق. وعندما فتحه، وجد داخله مصيبة لم تكن يخطر على بال أحد!

داخل الصندوق كان هناك دفتر إيصالات أمانة موقعة ومبصومة على بياض باسم زوجها (أخو زوجي)، ومعه أوراق عقود بيع ابتدائية لقطع أرض وممتلكات يعود بعضها لحماتي ولزوجي ولأخيه، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المشغولات الذهبية والمسروقات الصغيرة التي كانت قد اختفت من بيت حماتي ومن بيوت إخوته على مدار السبع سنوات الماضية! كانت تحتفظ بكل هذه الأشياء في سرية تامة، وتستغل دخولها وخروجها لبيوت العائلة لتجمع كل ما تقع عليه يدها، وتكتب إيصالات وهمية وتزيف توقيعات لابتزاز زوجها والعائلة مستقبلاً إذا حدث أي خلاف أو طلاق!

الجهاز الذي استعارته مني بصلف ودهاء، وضُع في نفس الحقيبة السرية، وعندما طالبتُ به، خافت أن تفتح الحقيبة أمامي أو أمام أي شخص لترجعه، حتى لا ينكشف أمر الصندوق والممتلكات المخبأة فيها! ففضلت أن تكذب، وتتهمني بالافتراء، بل وتصل بها الجرأة إلى أن تحلف على القرآن الكريم زوراً وبهتاناً أمام العائلة بأكملها، ظناً منها أن هيبة المصحف ستجعلني أتراجع وأسكت للأبد!

عندما عادت من عند أختها، وجدته يجلس على الأرض في منتصف الغرفة، والعقود والذهب وإيصالات الأمانة وجهاز البراون مفروشة أمامه على السجاد. لم تستطع نطق كلمة واحدة، وانهارت على الأرض تبكي وتتوسل، لكنه من شدة الصدمة والذهول لم يلمسها بكلمة، بل أخذ منها مفاتيح الشقة وهاتفها، وطلب منها أن تخرج فوراً إلى بيت أهلها، واستدعى زوجي ليكون شاهداً على ما وجده بنفسه.

أنهى زوجي كلامه وهو ينظر إليّ بأسف شديد وقال: «أخويا مقهور، مش بس لأن مراته طلعت بالشر ده كله وسرقت أهله وخططت لخراب بيته، لكن لأنها تجرأت وتحايلت على ربنا وحلفت على كتاب الله زور عشان تغطي على سرقتها. ودلوقتي عمي الكبير وكبار العيلة أتدخلوا، والبيت مقلوب، وأخويا مصمم على الطلاق ورفع قضايا عليها، وأهلها بيترجوه عشان يداري على الموضوع وما يفضحهاش وسط الناس».

جلستُ أستمع وأنا أرتجف، غير مصدقة أن جهازاً صغيراً أهداني إياه أخي، كان السبب الذي سخرة الله ليكشف غطاء الزيف والشر عن إنسانة عاشت بيننا سبع سنوات تبث سمومها وتظاهر بالبراءة، وتستغل طيبة قلوبنا وصمتنا بحجة الحفاظ على صلة الرحم وعدم إثارة المشاكل.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى