
أستوعب اللي سمعته.
قلت لفؤاد بصوت واطي إنت بتقول إيه؟ آسر معاه نسخة من إمضتي؟
رد بعد لحظة صمت مش نسخة من إمضتك وبس يا مدام أمل. آسر كان معاه ملف كامل فيه صور من أوراقك القديمة، وتوقيعك على مستندات الشركة من أيام ما كنتِ بتساعديه في الحسابات. وأنا شفت الملف بعيني.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أنا كنت فاكرة إن اللي حصل لبنتي هو نهاية كل حاجة بيني وبين آسر. كنت فاكرة إن أكبر ۏجع ممكن يعيشه إنسان هو إنه يخسر بنته، وإن أكبر خېانة ممكنة هي إنه ينسى طفلة عندها أربع سنين عشان يجهز مفاجأة لست من ماضيه.
لكن دلوقتي، وأنا قاعدة في شقتي في دبي، اكتشفت إن فيه أبواب تانية في حياتي كنت مقفلاها بإيدي، وإن الإنسان اللي عشت معاه سنين ممكن يكون مخبي وراه حاجات عمري ما تخيلتها.
سألته إنت عايزني أصدق إن آسر زوّر إمضتي؟
قال أنا مش بطلب منك تصدقي حاجة قبل ما تشوفي الدليل. أنا بقولك إن اسمه موجود في سلسلة المراسلات، وإنه كان عارف إن فيه مستندات بتتجهز باسمك. لكن هل وافق عليها؟ هل كان فاكر إنها مجرد إجراءات إدارية؟ هل كان عارف إنها هتستخدم في حاجة غير قانونية؟ دي أسئلة محتاجة تحقيق.
قلت بمرارة وليه مستني كل ده عشان تتكلم؟
اتنهد فؤاد وقال عشان أنا كمان غلطت. كنت مسؤول عن الحسابات، ووافقت وقتها على إجراءات ما راجعتهاش كويس. ولما اكتشفت إن فيه مستندات اتعملت بطريقة مش سليمة، خفت على نفسي، فمشيت من الشركة وسكت. فضلت أقنع نفسي إن الموضوع خلص، لحد ما عرفت إن اسمك اتورط.
سألته وإيه علاقة مۏت بنتي بكل ده؟
سكت.
والسكتة دي خوفتني أكتر من أي إجابة.
قلت بانفعال يا أستاذ فؤاد، أنا مش عايزة لف ودوران. بنتي ماټت في يوم كان المفروض أبوها ياخدها فيه من الحضانة. أنا مش هسمح لحد يستغل مۏتها عشان يغطّي على چريمة مالية، ولا هسمح لحد يربط حاجتين ببعض من غير دليل. إنت عارف حاجة قولها، مش عارف قول مش عارف.
رد بسرعة أنا ما عنديش دليل إن اللي حصل لندى كان مدبّر، ومش هقول كده. لكن عندي معلومة مهمة قبل الحاډث بيومين، كريم طلب مني نسخة من ملف قديم، وقال إن آسر عايز يراجع مستندات تخصك.
قفلت عيني للحظة.
كريم.
أخويا اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد، واللي وقف جنبي في جنازة بنتي،
واللي حضنني وأنا پصرخ قدام قپرها.
قلت وكريم قالك إن آسر طلب الملف؟
أيوه.
وإنت صدقته؟
في الوقت ده، آه. كريم كان عنده صلاحية يدخل الشركة، وكان بيقول إنه بيحاول يساعدك. لكن لما راجعت الرسائل بعد كده، لقيت إن فيه تفاصيل مش راكبة.
سألته زي إيه؟
قال كريم طلب الملف يوم الاتنين. لكن آسر كان بعتلي إيميل قبلها بأسبوع بيقول فيه إنه مش عايز أي حد يستخدم مستندات أمل من غير موافقتها. المشكلة إن الإيميل ده اختفى من حساب الشركة بعد فترة، وأنا كنت محتفظ بنسخة منه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني آسر كان رافض؟
الإيميل بيقول كده. بس فيه رسالة تانية بعده بيومين، من حساب آسر، بتطلب مني أسلّم الملف لكريم بشكل مباشر. وأنا مش قادر أجزم إذا كان آسر غيّر رأيه، أو حد استخدم حسابه، أو كان فيه اتفاق بينهم.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا محتاج أقابلك، وأسلّمك النسخ الأصلية اللي عندي. مش هبعتها على الموبايل.
وافقت، لكن قبل ما أقفل قلتله
مفيش مقابلة من غير محامي. أنا مش هرجع لنفس الدوامة اللي عشت فيها طول جوازي.
رد بهدوء ده حقك.
قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة قدام الشباك لحد ما الشمس اختفت من السما.
كنت عايزة أصدق إن آسر بريء من الحكاية دي، مش عشان بحبه، لكن عشان فكرة إن كل السنين دي كانت مبنية على كدب كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال.
وفي نفس الوقت، كنت خاېفة أصدق براءته لمجرد إني مش قادرة أواجه احتمال تاني.
تاني يوم، قابلت المحامية نادية في مكتبها. حكيتلها كل حاجة، من أول كلام فؤاد لحد الإيميل اللي قال إنه محتفظ بيه.
سمعتني من غير ما تقاطعني، وبعد ما خلصت قالت
إحنا مش هنحكم على آسر ولا كريم ولا شريف من رواية شخص واحد. هنطلب المستندات الأصلية، ونثبت مصدر كل ورقة، ونراجع التواريخ والتوقيعات، ولو فيه شبهة تزوير هنقدّمها للجهات المختصة. أما حاډثة ندى، فدي ليها مسار منفصل، وأي ربط بينها وبين الملفات المالية لازم يكون عليه دليل حقيقي.
الكلام ده ريّحني، لأول مرة من شهور.
مش لأن الحقيقة بقت واضحة، لكن لأن حد أخيرًا حط حدود بين اللي نعرفه واللي بنخاف منه.
اتفقنا إن فؤاد يسلّمنا الملفات في وجودها، وإننا ما نواجهش أي حد قبل ما نفحصها.
وبعد يومين، دخل فؤاد المكتب وهو شايل حقيبة جلد
قديمة.
كان شكله مرهق، وشعره زاد فيه الشيب، لكنه ما حاولش يتظاهر بالشجاعة.
حط الحقيبة على المكتب وقال
كل اللي عندي هنا. إيميلات مطبوعة، نسخ من المستندات، ومحضر داخلي اتكتب وقت ما اكتشفت إن فيه تحويلات مالية مش مفهومة.
نادية فتحت الحقيبة، وبدأت ترتب الأوراق واحدة واحدة.
كان فيه مستند باسم شركة النور للاستشارات، وتحته توقيع منسوب ليا بالموافقة على استخدام اسمي في ضمان إجراء مالي.
قلّبت الورقة بين إيدي.
الإمضا كانت شبه إمضتي فعلًا، لدرجة إن أي حد يشوفها بسرعة ممكن يفتكر إنها حقيقية.
لكن أنا ما مضيتش الورقة دي.
قلت أنا عمري ما شفت المستند ده.
نادية قالت هنحتاج خبير خطوط، والنسخة الأصلية لو متاحة. الصورة وحدها مش كفاية.
فؤاد أخرج ورقة تانية وقال دي أهم.
كانت رسالة مطبوعة من بريد آسر، موجهة لفؤاد قبل الحاډث بحوالي شهر.
مكتوب فيها أي مستند يحمل اسم أمل لازم يتراجع قبل اعتماده. مفيش تفويض جديد من غير توقيع مباشر منها.
حسيت إن نفسي رجع لصدري للحظة.
لكن نادية كملت قراءة الرسالة، ووقفت عند سطر تحتها.
لو كريم طلب الملف، سلّمهوله، على أن يقتصر استخدامه على المراجعة الداخلية.
رفعت عيني لفؤاد.
يعني آسر سلّم الملف لكريم بإرادته؟
فؤاد قال ده اللي ظاهر من الرسالة.
نادية ردت ظاهر إنه سمح له يستلم الملف للمراجعة، لكن مش ظاهر إنه سمح له يستخدم التوقيع أو يقدّم مستندات باسم أمل. الفرق كبير.
قعدت ساكتة، وأنا بحاول أفهم إزاي كل واحد فيهم ممكن يكون قال جزء من الحقيقة، وساب الجزء اللي يدينه.
وبينما نادية بتراجع باقي الأوراق، لقت ظرف صغير مكتوب عليه بخط إيد فؤاد مراسلات اليوم السابق للحاډث.
فتحته.
كان جواه نسخة من رسالة من كريم لشريف.
الملف لازم يخلص قبل الخميس. مش عايز أي تأخير.
ورد شريف
قلتلك إن فيه مشكلة في التوقيع، ومش هينفع أتحمل المسؤولية لوحدي.
كريم رد
أنا مش طالب منك تعمل حاجة من دماغك. نفّذ اللي اتفقنا عليه، والباقي هيتراجع بعدين.
نادية رفعت الورقة قدام الضوء، وراجعت تاريخها.
كانت الرسالة قبل حاډث ندى بيوم واحد.
حسيت إن إيدي بردت.
قلت ده معناه إن كريم كان مستعجل يخلص الورق قبل الحاډث.
نادية هزت راسها ده معناه إنه كان مستعجل على الورق. ما نقدرش
نستنتج منه أكتر من كده من غير أدلة تانية.
فؤاد كان باصص للأرض، ولما سألته




