روايات وقصص

حكايات صافى

سكت.

قالت:

«أنا مش جاية أسمعك بتعتذر، ولا جاية أطلب منك فلوس، ولا جاية أهددك إني هحرمك من بنتك. أنا جاية عشان أحط الحقيقة قدامك، وبعدها كل واحد فينا هيمشي في طريقه.»

بصيتلها بوجع.

«إنتِ لسه مراتي.»

ردت بهدوء:

«أنا كنت مراتك لما كنت بتصل بيك وأنا بولد، وكنت مراتك لما كنت ببعتلك إني خايفة ومحتاجة وجودك. لكن إنت اخترت تكون في مكان تاني.»

«أنا غلطت يا مريم.»

«عارفة.»

«أنا ندمان.»

بصتلي لأول مرة مباشرة.

«ندمان عشان خسرتني، ولا عشان اكتشفت إنك مش قادر تتحكم في حياتي زي الأول؟»

ملقتش إجابة.

كملت:

«أنا فضلت ست شهور مستنية إنك تيجي تقوللي إنك غلطت من نفسك. كنت كل يوم أقول يمكن بكرة. يمكن لما يشوف بنتنا في السونار. يمكن لما يحس بحركتها. يمكن لما الدكتور يقوله إن الحمل صعب. يمكن لما يسمعني وأنا بتوجع.»

صوتها بدأ يهتز، لكنها تماسكت.

«لكن إنت كنت بتبعد أكتر. وفي كل مرة كنت بتتأخر فيها، كنت أنا اللي بحاول ألاقي عذر ليك.»

حطيت إيدي على الترابيزة.

«أنا مش هبرر اللي عملته.»

قالت:

«كويس. لأن مفيش تبرير.»

سكتت لحظة، وبعدها فتحت شنطتها وطلعت صورة.

كانت صورة ليلى.

صغيرة جدًا، نايمة وسط الأجهزة الطبية، ووشها باين من بين البطانية.

مدت الصورة ناحيتي.

خدتها بإيد بتترعش.

«دي بنتي؟»

ردت:

«بنتنا.»

فضلت أبص للصورة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

مريم كملت:

«أنا مش همنعك من حقك كأب، لكن مش هسمح إنك تدخل حياتها وتخرج منها حسب مزاجك. ليلى مش هتبقى ورقة ضغط بيني وبينك، ومش هتعيش مستنية مكالمة من أبوها زي ما كنت أنا مستنياك.»

رفعت عيني ليها.

«أنا هكون موجود.»

قالت:

«وجودك مش كلمة يا يوسف. وجودك مسؤولية يومية، وصبر، والتزام، واحترام للحدود اللي هتحمي بنتنا.»

هزيت رأسي.

«أنا موافق.»

مريم سكتت، وبعدها قالت:

«فيه حاجة لازم تعرفها. أنا مشيت من البيت قبل ما أرجع من المستشفى بيومين، لأنني اكتشفت إن فيه قرار كنت هضطر آخده، ومكنتش عايزة آخده وأنا تحت ضغطك.»

قلبي دق بسرعة.

«قرار إيه؟»

بصتلي بحزن.

«كنت هسيب كل حاجة وأرجعلك لو كنت جيت المستشفى يوم الولادة. كنت هقول لنفسي إنك غلطت، وإن بنتنا تستاهل فرصة، وإن اللي حصل ممكن نصلحه.»

حسيت إن صدري بيتقفل.

«مريم…»

كملت:

«لكن لما شفت الصورة اللي إنت فيها خارج من الفندق، فهمت إن رجوعك مكنش أولوية عندك. وقتها قررت إني مش هربي بنتي على أمل إنك تتغير.»

مديت إيدي ناحيتها، لكنها رجعت إيدها بهدوء.

الحركة الصغيرة دي وجعتني أكتر من أي صرخة.

قلت:

«طب أعمل إيه عشان تسامحيني؟»

ردت:

«متطلبش مني أسامحك عشان ترتاح. أنا مش مسؤولة عن راحتك دلوقتي. إنت مسؤول عن تصرفاتك، وأنا مسؤولة عن نفسي وبنتي.»

وبعدين قامت من مكانها.

حسيت بالذعر.

«استني يا مريم! هتمشي كده؟»

وقفت عند الباب، ولفت ناحيتي.

«أنا وافقت أقابلك عشان تعرف إن ليلى موجودة، وإنك تقدر تبدأ تكون أب ليها لو التزمت. لكن رجوعي ليك موضوع تاني، وأنا مش مستعدة أتكلم فيه دلوقتي.»

قلت بسرعة:

«طب ليلى هقدر أشوفها إمتى؟»

قالت:

«شريف هيبلغك بميعاد الزيارة المناسب، بعد التنسيق مع المستشفى. ولما تروح، روح عشان تشوف بنتك، مش عشان تثبت إنك يوسف العدوي.»

وبعدين خرجت.

فضلت واقف مكاني، والصورة في إيدي.

كنت فاكر إن أقسى حاجة ممكن تحصل لراجل زيي هي إنه يخسر فلوسه أو نفوذه.

لكنني اكتشفت إن فيه خسارة أكبر.

إنك تبقى قادر توصل لأي مكان في الدنيا، إلا قلب إنسان كان زمان بيفتحلك الباب قبل ما تخبط.

بعد المقابلة، بدأت أحاول أصلح اللي أقدر عليه.

بطلت أطلب من فريقي يدوروا على مريم، والتزمت بكل الإجراءات اللي حددها المحامي.

رتبت النفقة بشكل رسمي، وفتحت حساب باسم ليلى لمصاريف علاجها وتعليمها، من غير ما أعتبر ده بديل عن وجودي.

وكل يوم كنت بتواصل مع المستشفى بالطريقة المسموح بيها، أسأل عن حالتها، وأسمع الأخبار من غير ما أضغط على حد.

بعد أسبوع، وصلني ميعاد أول زيارة.

دخلت المستشفى وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.

الممرضة أخدتني للحضّانة، ووقفت قدام سرير صغير.

هناك، شفتها لأول مرة.

ليلى.

كانت صغيرة لدرجة إني خفت ألمس إيديها، وكنت سامع صوت الأجهزة حواليها، وكل نفس بتاخده كان بالنسبة لي معجزة.

وقفت ساكت، ومش عارف أقول إيه.

الممرضة قالتلي:

«ممكن تقرب، بس من فضلك متلمسش أي حاجة غير لما أقولك.»

قربت خطوة.

بصيت لوشها الصغير، وافتكرت الليلة اللي اتولدت فيها.

كنت في فندق، وبنتي كانت بتحارب عشان تاخد نفسها.

حطيت إيدي على الزجاج، ودموعي نزلت.

همست:

«أنا آسف يا ليلى.»

ماكنتش عارف إذا كانت بتسمعني ولا لأ.

«أنا آسف إني اتأخرت عليكي. آسف إني مكنتش جنب ماما وهي بتولدك. وآسف إني خليت أول يوم في حياتك يبقى يوم مش هقدر أنساه طول عمري.»

فضلت واقف لحد ما الممرضة قالت إن وقت الزيارة انتهى.

خرجت وأنا حاسس إنني سبت جزءًا من قلبي جوه الحضّانة.

وعند باب المستشفى، لقيت شريف مستنيني.

قال:

«مريم وافقت إن الزيارات تستمر لو التزمت بالتعليمات.»

هزيت رأسي.

«هلتزم.»

بصلي شوية، وبعدها قال:

«فيه حاجة تانية. مريم طلبت مني أوصلك رسالة.»

قلبي اتقبض.

«قالت إيه؟»

طلع ظرف صغير.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى