روايات وقصص

حكايات صافى

فتحته، ولقيت ورقة مكتوب فيها:

«يوسف، لو إنت فعلًا عايز تبدأ من جديد، متحاولش ترجعني للمكان اللي كنت فيه. أثبت لنفسك الأول إنك تقدر تكون أب كويس حتى لو أنا مش موجودة جنبك.»

قريت الرسالة أكتر من مرة.

وبعدين طويتها وحطيتها في جيبي.

لأول مرة، فهمت إن الطريق لبنتي مش لازم يمر من خلال استرجاع مريم.

وإن الاعتذار الحقيقي مش إني أقول لها إني اتغيرت.

الاعتذار الحقيقي إني أعيش التغيير ده، حتى لو هي عمرها ما رجعتلي.

عدت أسابيع، وليلى بدأت تتحسن بالتدريج.

كانت كل زيارة بتعلمني حاجة جديدة.

إزاي أشيلها لما الدكتورة تسمح.

إزاي أغيرلها هدومها.

إزاي أتعامل مع خوفها وبكاها.

كنت بتعلم حاجات بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لي أصعب من إدارة شركات كاملة.

وفي كل مرة كنت بشوف مريم، كنت بلاقيها هادية ومحترمة، لكن المسافة بيننا كانت لسه موجودة.

مبقتش أطلب منها ترجع.

ومبقتش أتكلم عن الماضي إلا لما هي تختار تفتح الموضوع.

وفي يوم، الدكتورة قالت إن ليلى ممكن تخرج قريب لو استمرت حالتها في التحسن.

الخبر خلاني أفرح لأول مرة من غير ما أحس إن الفرحة دي مسروقة من حد.

اتصلت بشريف وسألته عن الإجراءات المطلوبة، ورتبت كل حاجة مع مريم.

لكن قبل خروج ليلى بيوم، حصلت حاجة مكنتش متوقعها.

كنت في مكتبي، لما حازم دخل ووشه متغير.

قال:

«يا باشا، فيه ست تحت بتقول إنها لازم تقابلك حالًا.»

«مين؟»

اتردد.

«داليا.»

غمضت عيني.

كنت فاكر إنها انتهت من حياتي، لكن واضح إنها لسه عندها كلام.

قلت لحازم:

«خليها تطلع.»

دخلت داليا بعد دقايق، وكانت باينة عليها العصبية.

وقفت قدامي وقالت:

«أنا مش جاية أطلب منك ترجعلي.»

رديت ببرود:

«أمال جاية ليه؟»

طلعت تليفونها، وفتحت رسالة قديمة.

«لأن فيه حاجة لازم تعرفها عن مريم.»

بصيتلها من غير ما أتكلم.

قالت:

«أنا كنت عارفة إنها هتسيب البيت، لكن مكنتش أعرف إنها هتعمل كل ده بسرعة.»

سألتها:

«إنتِ عرفتي منين؟»

قالت:

«قبل عيد ميلادي بأيام، مريم بعتتلي رسالة تانية غير الرسالة اللي حكيتلك عنها. قالتلي إنها عرفت إنك اشتريتلي العربية والعقد، وإنها مش هتطلب منك تمنع الهدايا، لكنها عايزة تعرف حاجة واحدة.»

حسيت بغضب بيطلع جوايا.

«إيه هي؟»

داليا بلعت ريقها وقالت:

«سألتني إذا كنت أعرف إنك كنت مأجل علاج مهم ليها عشان تسافر معايا.»

اتجمدت مكاني.

علاج مريم.

قبل الحمل بفترة، كان عندها مشكلة صحية محتاجة متابعة، والدكتور طلب مني أكون معاها في مواعيد معينة، وأنا أجلت أكتر من مرة بسبب شغلي.

لكنني مكنتش أعرف إن مريم حكت لداليا عن الموضوع.

قلت:

«وإنتِ رديتي عليها بإيه؟»

داليا نزلت عينيها.

«قلت لها إني معرفش حاجة عن علاجها.»

«وده كان حقيقي؟»

سكتت.

نظرت لها بحدة.

«داليا!»

رفعت عينيها، والدموع بدأت تتجمع فيها.

«أنا كنت عارفة إنك مأجل المواعيد، بس إنت قلتلي إن الموضوع مش خطير، وإن مريم تقدر تستنى. وأنا صدقتك، أو يمكن كنت عايزة أصدقك.»

حسيت إن كل حاجة كنت بحاول أنساها رجعت مرة واحدة.

مريم كانت بتستنى وأنا بأجل.

كانت بتتوجع وأنا مشغول.

وكانت بتحاول تحافظ على بيتنا، وأنا كنت ببني حياة تانية بعيد عنها.

داليا كملت:

«أنا مش جاية أقولك إن الغلط كله غلطك، ولا إني بريئة. أنا كنت أنانية، وكنت عايزة أكون أهم واحدة في حياتك، حتى لو ده على حسابها. لكن فيه حاجة مريم قالتها لي قبل ما تقفل الكلام بيننا.»

سألتها بصوت منخفض:

«قالت إيه؟»

داليا بصتلي، وقالت:

«قالتلي: أنا مش خايفة إن يوسف يحب واحدة غيري. أنا خايفة ييجي يوم بنتي تحتاجه، ويكون عنده سبب يخليه يختار نفسه.»

حسيت إن الجملة دي كانت مكتوبة مخصوص عشان تكسر آخر جزء من دفاعي عن نفسي.

داليا حطت التليفون على الترابيزة.

«أنا مش هتصل بيك تاني يا يوسف. بس كان لازم تعرف إن مريم مكانتش بتحاربني أنا. هي كانت بتحارب عشان تحافظ على نفسها وعلى بنتها من إنها تفضل مستنية راجل مش بييجي.»

وبعدين خرجت.

المرة دي، مسألتش حازم عنها، ومحاولتش أوقفها.

رجعت قعدت لوحدي، وفتحت درج مكتبي.

كان فيه العقد اللي اشتريته لداليا، وإيصال العربية، وأوراق كتير كنت فاكر إنها دليل على قدرتي أدي أي حد كل حاجة.

بصيت للأوراق، وبعدها قفلت الدرج.

كل الحاجات دي كانت غالية.

لكن مفيش حاجة فيهم كانت تساوي دقيقة واحدة من وقت ضيعته بعيد عن مريم وبنتي.

في اليوم التالي، خرجت ليلى من المستشفى بعد ما الفريق الطبي أكد إن حالتها تسمح بده، مع ضرورة المتابعة المستمرة.

مريم كانت واقفة عند باب الخروج، شايلة بنتنا بحذر، وبتراجع تعليمات الدكتورة للمرة الأخيرة.

وقفت بعيد، مستني دوري.

لما قربت، بصتلي وقالت:

«الدكتورة شرحتلك إزاي تتعامل معاها؟»

هزيت رأسي.

«أيوه، وكل التعليمات مكتوبة عندي.»

«ومواعيد المتابعة؟»

«موجودة.»

سكتت، وبعدها مدت إيدها ناحيتي.

«تحب تشيلها شوية قبل ما نمشي؟»

بصيتلها بذهول.

دي كانت أول مرة من ساعة ما سابت البيت إنها تسمحلي أشيل ليلى بعيد عن الحضّانة.

مديت إيدي بحذر، وشلت بنتي.

كانت خفيفة جدًا، ووشها الصغير هادي، وإيدي كلها كانت بتترعش.

مريم وقفت جنبي، وفضلت تراقبني لحد ما اتأكدت إني شايلها صح.

همست لليلى:

«أهلًا بيكي يا حبيبتي. أخيرًا هتروحي بيتك.»

وبعدين بصيت لمريم وقلت:

«شكرًا.»

ردت بهدوء:

«متشكرنيش. دي بنتك، وده حقها.»

بعد شوية، رجعت ليلى لحضن أمها، واتجهت مريم ناحية العربية.

كنت واقف مكاني، مش عارف أطلب منها حاجة ولا أقولها إني نفسي أكون معاهم.

قبل ما تركب، لفت ناحيتي وقالت:

«يا يوسف، بكرة أول متابعة لليلى الساعة عشرة الصبح. لو حابب تحضر، ابقى هناك في المعاد.»

هزيت رأسي بسرعة.

«هكون موجود.»

ركبت العربية ومشيت.

فضلت واقف لحد ما اختفت من الشارع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى