روايات وقصص

حكايات صافى

ولا أوراقها.

ولا هدوم البيبي.

قعدت على طرف السرير، وافتكرت الليلة اللي اشترينا فيها أول طقم لليلى.

مريم كانت ماسكة طقم أبيض صغير، وبتضحك.

قالتلي:

«تفتكر هتطلع شبه مين؟»

قلت لها وقتها:

«لو طلعت شبهك هتبقى أحلى بنت في الدنيا.»

ضحكت وقالت:

«ولو طلعت شبهك؟»

قلت:

«يبقى هنحتاج نعلمها متكبرش زي أبوها.»

وقتها ضحكنا إحنا الاتنين.

دلوقتي، وأنا قاعد لوحدي في نفس المكان، اكتشفت إن مريم كانت بتضحك على أمل إن الراجل اللي اتجوزته لسه موجود جوايا.

لكن الراجل ده اختفى بالتدريج، وأنا كنت مشغول لدرجة إني ماخدتش بالي.

مديت إيدي تحت المخدة، ولقيت شريط بينك صغير، نفس الشريط اللي كان في السرير.

مسكته، وقعدت أبصله.

وفجأة سمعت صوت رسالة على تليفوني.

رقم مجهول.

فتحت الرسالة، فلقيت صورة لمريم وهي واقفة قدام باب شقة، شايلة شنطة صغيرة، وبجانبها عربية أطفال.

وتحت الصورة مكتوب:

«لو عايز تعرف مريم راحت فين، متدورش عليها. دور على الشخص اللي ساعدها تخرج من حياتك من غير ما تعرف.»

اتجمدت مكاني.

مين اللي بعت الرسالة؟

وليه بيقول إن فيه شخص ساعدها؟

اتصلت بحازم فورًا.

«عايزك تعرف الرقم ده تبع مين.»

بعد دقايق، رجعلي.

«يا باشا، الرقم مش متسجل باسم حد واضح، ومش هنقدر نحدد صاحبه بالطريقة دي.»

«طب الصورة؟»

«ممكن تكون متصورة من مكان عام، ومش هقدر أحدد مكانها بدقة.»

قفلت المكالمة، وفضلت أبص للصورة.

كنت عارف إن مريم مش من النوع اللي يهرب من غير ترتيب، لكنني كنت فاكر إنها عملت كل حاجة لوحدها.

دلوقتي بدأت أشك إن فيه حد كان جنبها طول الفترة اللي فاتت.

حد سمعها وهي بتتوجع.

حد شافها وهي بتستعد للولادة.

حد كان معاها في الوقت اللي أنا اخترت فيه أكون بعيد.

رن التليفون تاني.

المرة دي كانت داليا.

فضلت أبص لاسمها على الشاشة لحد ما الرنة خلصت، وبعدها اتصلت مرة تانية.

رديت.

«عايزة إيه يا داليا؟»

صوتها كان متوتر.

«يوسف، إنت فين؟»

«في بيتي.»

«إنت رجعت ومجتش ليا ليه؟»

ضحكت بمرارة.

«إنتِ لسه بتسألي السؤال ده؟»

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

«أنا عارفة إنك زعلان بسبب مريم، بس إحنا لازم نتكلم.»

«إحنا مفيش بينا كلام.»

«إزاي؟ إنت كنت بتقولي إنك هتطلقها، وإنك هتبدأ حياة جديدة.»

حسيت ببرودة في أطرافي.

«أنا قلتلك إني هطلق مريم؟»

اترددت.

«إنت قلت إن جوازك انتهى من زمان.»

غمضت عيني.

كنت فعلًا قلت كلام شبه ده، في لحظات كنت بحاول أقنع نفسي إن علاقتي بداليا مش خطأ كامل.

لكنني عمري ما كنت مستعد أواجه نتيجة الكلام ده.

قلت:

«إنتِ كنتِ عارفة إنها حامل، وعارفة إنها ممكن تولد في أي لحظة.»

«أيوه، بس إنت اللي قررت تفضل معايا.»

الجملة نزلت عليا كأنها صفعة.

لأول مرة، داليا ماحاولتش تبرر.

هي قالت الحقيقة.

أنا اللي قررت.

أنا اللي كان عندي الاختيار.

أنا اللي كان ممكن أمشي.

قلت لها:

«متتصليش بيا تاني.»

ردت بسرعة:

«استنى يا يوسف! فيه حاجة إنت لازم تعرفها.»

«إيه؟»

سكتت ثواني، وبعدها قالت:

«مريم كانت عارفة إني هكون معاك في عيد ميلادي، وكانت عارفة إنك مش هترد عليها.»

قلبي دق بعنف.

«إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟»

«لأنها بعتتلي رسالة قبل سفرك بيومين.»

«رسالة بتقول إيه؟»

«قالتلي إنها مش هتطلب مني أبعد عنك، وإنها مش هتدخل في حياتي، لكنها طلبت مني طلب واحد.»

صوتي خرج بالكاد.

«طلب إيه؟»

ا:

«طلبت مني لو كنت فعلًا بحبك، أسيبك تروح لبنتك يوم الولادة.»

سكتت لحظة، ثم أضافت:

«وقالتلي إنها مش هتنسى إني كنت السبب في إنك تفضل بعيد عنها لو منعتك تمشي.»

حسيت إني مش قادر أقف.

مريم كلمت داليا.

مراتي، اللي كنت فاكرها ساكتة لأنها ضعيفة، واجهت الست اللي كنت معاها، وطلبت منها حاجة واحدة بس.

إنها تسيبني أكون أب.

لكن داليا منعتني.

وأنا وافقت.

سألتها:

«وليه مقولتيليش؟»

ردت بصوت مرتعش:

«لأنني كنت خايفة أخسرك.»

قلت:

«وأنا خسرت كل حاجة بسبب إني فضلت معاكي.»

قفلت المكالمة.

لأول مرة، مكنتش حاسس بغضب تجاه داليا قد ما كنت حاسس بالاشمئزاز من نفسي.

أنا كنت بدور على حد ألومه، مع إن الحقيقة واضحة قدامي.

محدش أجبرني.

محدش منعني بالقوة.

أنا كنت حر، واخترت أسوأ اختيار ممكن.

عدى يومين.

كل يوم كنت بصحى على أمل إن مريم تتصل، وكل ليلة كنت برجع لنفس الأوضة وأبص على المكان الفاضي اللي كانت بتحط فيه حاجات ليلى.

وفي اليوم التالت، وصلني اتصال من شريف.

قال:

«مريم وافقت على مقابلة قصيرة.»

وقفت من مكاني.

«فين؟»

«في مكتبي، بكرة الساعة اتناشر. لكن عندها شروط.»

«أي شروط.»

«تيجي لوحدك، من غير فريقك، ومن غير ما تحاول تضغط عليها، والمقابلة تنتهي في الوقت اللي هي تحدده.»

وافقت فورًا.

طول الليل مغمضتش عيني.

جهزت كلام كتير أقوله لها.

كنت هقول إني غلطت.

إني ندمان.

إني مستعد أصلح كل حاجة.

لكن كل ما أتخيل وشها وهي بتبصلي، كنت بنسى الكلام كله.

لأن مفيش اعتذار يقدر يرجع الساعة تلاتة واثناشر دقيقة الفجر.

في اليوم التالي، وصلت مكتب شريف قبل المعاد بنص ساعة.

دخلت غرفة الانتظار، وقعدت لوحدي.

الساعة كانت بتتحرك ببطء شديد.

ولما الباب اتفتح، سمعت صوت خطوات هادية.

رفعت رأسي.

مريم دخلت.

كانت لابسة فستان واسع بلون هادي، وشعرها مربوط، ووشها شاحب شوية من تعب الولادة، لكنها كانت واقفة بثبات.

بطني اتقبضت لما شوفتها.

دي الست اللي عاشت معايا اتناشر سنة.

الست اللي كنت أعرف من نظرة واحدة إذا كانت زعلانة أو تعبانة.

لكن دلوقتي، لأول مرة، معرفتش أقرأ عينيها.

قامت تقعد قدامي، وحطت شنطتها على الكرسي اللي جنبها.

قلت بسرعة:

«مريم، أنا…»

رفعت إيدها.

«لو سمحت يا يوسف، اسمعني للآخر، وبعدها اتكلم.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى