
خطاب قديم.
كان متوجه ليا، وتاريخه قبل سفري بأسبوع.
بدأت أقرأ.
«يوسف،
أنا مش عارفة إذا كنت هتقرأ الكلام ده وإنت لسه شايفني مراتك، ولا هتعتبره مجرد ورقة من واحدة خلاص مبقتش تهمك.
أنا تعبت من إني كل يوم أقول لنفسي إنك هترجع.
تعبت من إني أسمع صوت مفتاحك في الباب وأجري أفتحلك، حتى لما أكون مش قادرة أقف من التعب.
وتعبت من إني كل ما أشوفك ماسك تليفونك وتضحك، أسأل نفسي إذا كنت لسه بتعرف تضحك معايا زي زمان.
أنا مش هطلب منك تحبني غصب عنك، ومش هقدر أجبرك تبطل حاجة إنت مصمم تعملها.
لكن بنتنا ملهاش ذنب.
أنا عايزاها تيجي الدنيا وهي عارفة إن فيه حد مستنيها، وإنها مش عبء على حد، وإنها مش محتاجة تنافس أي واحدة على مكانها عند أبوها.
لو في يوم لقيت نفسك محتار بين راحتك وبينها، اختارها.
مش عشان أنا طلبت منك.
عشان هي بنتك.
مريم.»
الورقة اهتزت بين صوابعي.
رفعت عيني لشريف.
«هي كتبت الكلام ده قبل ما تسافر؟»
هز راسه.
«أيوه.»
«يعني كانت عارفة إني ممكن أسيبها؟»
قال بهدوء:
«هي كانت عارفة إنك سبتها بالفعل، حتى وإنت موجود في البيت.»
حسيت إن الكرسي ضاق بيا.
قمت ولفيت في المكتب، وبعدها وقفت قدامه.
«أنا عايز أشوف بنتي. قول لمريم إني مستعد أعمل أي حاجة.»
شريف قفل الملف.
«هي مش عايزة فلوسك يا يوسف.»
«أنا أبوها، ومن حقي أصرف عليها.»
«النفقة مسؤوليتك، مش هدية منك. ومحدش قال إنها مش من حقها. لكن مريم عايزة تعرف إن بنتها هتكون آمنة نفسيًا وجسديًا، وإن وجودك في حياتها مش هيبقى وسيلة للضغط على أمها.»
«أنا عمري ما ضغطت على مريم!»
بصلي شريف نظرة طويلة.
«مجرد إنك متخيل إنك تقدر تستخدم فريقك عشان تعرف هي فين رغم رفضها، ده معناه إنك لسه مش فاهم هي خايفة من إيه.»
كنت هرد، لكنه فتح درج مكتبه وطلع ظرف أبيض.
«دي رسالة تانية. مريم طلبت مني أديهالك لو حضرتك جيت بنفسك.»
خدت الظرف.
كان مكتوب عليه اسمي.
فتحته، ولقيت جملة واحدة:
«يا يوسف، لو عايز تشوف ليلى، لازم تعرف الأول إيه اللي حصل في المستشفى بعد ما اتولدت.»
بصيتله بسرعة.
«إيه اللي حصل؟»
شريف اتنهد.
«ده مش دوري أحكيه. فيه شخص واحد كان موجود وشاف كل حاجة.»
«مين؟»
«الدكتورة نادية، اللي كانت متابعة حالة مريم.»
قمت من مكاني.
«هات رقمها.»
رد:
«أنا أقدر أديك وسيلة التواصل الرسمية، لكن مش هسمح إن حد يضايقها أو يروح لها البيت. ولو عايز تعرف الحقيقة، اسمعها من غير ضغط ولا صوت عالي.»
خدت الرقم ومشيت.
وأنا نازل السلم، كنت حاسس إن كل خطوة بتبعدني عن الراجل اللي كنت فاكر إني عليه.
اتصلت بالدكتورة نادية، وحددنا معاد في المستشفى.
وصلت في اليوم نفسه، لكن أول ما دخلت مكتبها، لاحظت إنها مش مرتاحة لوجودي.
قعدت قدامها وقلت:
«أنا عايز أعرف كل اللي حصل يوم ولادة بنتي.»
فتحت ملف قدامها، وبدأت تتكلم.
«مريم وصلت المستشفى وهي في حالة ولادة مبكرة، وكانت مرهقة جدًا. كانت بتحاول تتماسك، لكن كل شوية كانت تسأل إذا كان حد كلمك، وإذا كنت في الطريق.»
غمضت عيني.
كملت:
«ولما عرفنا إن الولادة لازم تحصل، طلبت مني أكلمك مرة أخيرة. قلتلها إننا بالفعل حاولنا نوصل لك، وإنك عارف بحالتها.»
حسيت إني مش قادر أتنفس.
«وبعدين؟»
«ولدت بنت جميلة، لكنها كانت محتاجة رعاية خاصة بسبب إنها اتولدت قبل ميعادها. فريق الحضّانة استقبلها فورًا، ومريم فضلت تسأل عن بنتها وعن أبوها.»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«فيه حاجة لفتت نظري. لما الممرضة قالت لها إن الطفلة محتاجة وقت في الحضّانة، مريم مسكت إيدي وقالتلي: لو بنتي سألت يومًا أبوها كان فين ساعة ما اتولدت، متقولولهاش إنه كان مسافر. قولولها الحقيقة لما تكبر وتقدر تفهم.»
حطيت إيدي على راسي.
«هي قالت كده؟»
«أيوه.»
«كانت بتكرهني للدرجة دي؟»
الدكتورة نادية ردت بحزم:
«الوجع مش دايمًا معناه كراهية يا أستاذ يوسف. أحيانًا بيكون معناه إن الشخص استنى منك كتير لحد ما مبقاش عنده قدرة يستنى أكتر.»
سكت.
كانت أول مرة حد يكلمني عن مريم من غير ما يحاول يخفف عني أو يبررلي.
سألتها:
«طب ليه خرجت من المستشفى؟»
«بعد ما حالتها استقرت، كانت عايزة تكون قريبة من بنتها وتستعد لمرحلة ما بعد الولادة. لكن قبل ما تمشي، طلبت مني طلب غريب.»
قلبي دق بسرعة.
«إيه هو؟»
الدكتورة فتحت درجًا، وطلعت ورقة صغيرة.
«طلبت مني أحتفظ بالورقة دي، وأديهالك لو جيت بنفسك وسألت عن اللي حصل.»
مدت إيدها ناحيتي.
فتحت الورقة.
كان فيها صورة صغيرة لمريم وهي في المستشفى، لابسة ملابس المرضى، وشعرها مربوط، وعينيها حمرا من العياط.
وفي حضنها بطانية صغيرة ملفوفة.
وتحت الصورة، كانت كاتبة:
«دي أول مرة شلت فيها بنتي. كنت بتمنى تكون إيدك جنبي، لكن لما بصيت على وشها، فهمت إني لازم أبقى قوية حتى لو فضلت لوحدي.»
قربت الصورة من وشي.
دي كانت بنتي.
بنتي اللي اتولدت وأنا بعيد عنها.
بنتي اللي كان ممكن أموت من الفرحة لو شفتها في اللحظة دي.
لكن بدل ما أكون جنب أمها، كنت بحتفل بعيد ميلاد داليا.
سألت الدكتورة بصوت مبحوح:
«ليلى عاملة إيه دلوقتي؟»
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
«حالها بيتحسن، وبتستجيب للرعاية، لكن لسه محتاجة متابعة دقيقة. والأهم إنك تفهم إن وجودك في حياتها لازم يكون لمصلحتها هي، مش عشان تهرب من إحساسك بالذنب.»
قمت، وشكرتها، وخرجت من المكتب.
كنت عايز أروح الحضّانة وأشوفها، لكنني عرفت إن الزيارة لازم تتنظم مع المستشفى ومع أمها.
ولأول مرة في حياتي، مقدرتش أستخدم اسمي عشان أختصر الطريق.
في المساء، رجعت البيت.
البيت كان هادي بشكل يخوف.
دخلت أوضة مريم.
كل حاجة كانت مكانها تقريبًا، لكن ريحتها اختفت، والجزء اللي كانت بتحط فيه حاجتها بقى فاضي.
فتحت الدولاب.
لقيت فساتينها، وعلب صغيرة فيها حاجاتها، ورف كامل من الكتب اللي كانت بتحب تقراها قبل النوم.
لكن شنطتها مش موجودة.




