روايات وقصص

حكايات صافى

وضعت إيدي على الترابيزة.

«يعني هي فاكرة إني ممكن أأذيها؟! دي مريم! دي عارفة أنا مين!»

قال شريف بصوت هادي:

«هي عارفة كويس إنت مين يا يوسف، وعشان كده بالذات أخدت القرار ده.»

وقفل المكالمة بعد ما وعدني إنه هيبعتلي عنوان مكتبه، وإن أي كلام بعد كده لازم يكون في وجود محامي.

فضلت باصص للتليفون، مش قادر أصدق إن مريم، الست اللي كانت بتستأذنني حتى قبل ما تشتري حاجة لنفسها، بقت بتحددلي إزاي أشوف بنتي.

قمت من مكاني وخرجت من البيت.

أول مرة في حياتي أخرج من غير ما أعرف أنا رايح فين.

وصلت مكتبي الساعة تسعة الصبح.

فريقي كانوا واقفين في الطرقة، وأول ما شافوني اتحركوا ناحيتي، لكن أنا مكنتش شايف حد فيهم.

دخلت مكتبي وطلبت من حازم، مساعدي الشخصي، يدخل ويقفل الباب.

حازم كان معايا من أكتر من خمسة عشر سنة. شافني وأنا ببني شغلي من الصفر، وعارف إني مبحبش حد يسألني عن قراراتي.

وقف قدامي وقال:

«تحت أمرك يا باشا.»

رفعت عيني ليه.

«عايز أعرف مريم خرجت من المستشفى إزاي، وراحت فين، ومين كان معاها.»

ملامحه اتغيرت.

«يا باشا، الأستاذة مريم قالت بوضوح إن محدش يتدخل في خصوصيتها.»

قمت من مكاني.

«إنت هتعترض على كلامي؟»

بصلي للحظات، وبعدها قال:

«أنا مش بعترض، بس إنت طلبت مني قبل كده إني أقولك الحقيقة حتى لو مش على هواك.»

افتكرت كلامي القديم، وسكت.

كمل:

«الحقيقة إن الأستاذة مريم اتصلت بيا يوم الولادة الساعة عشرة وسبع دقايق بالليل.»

حسيت بقبضة في صدري.

الساعة عشرة وسبع دقايق.

نفس الوقت اللي كنت فيه قاعد في الفندق، وداليا بتطلب مني أفضل معاها بدل ما أرد على مراتي.

سألته بصوت واطي:

«قالتلك إيه؟»

حازم نزل عينيه للأرض.

«قالتلي إنها تعبانة، وإنها محتاجة حضرتك. سألتني إذا كنت أعرف إنت فين، وأنا قلتلها إن حضرتك مسافر في شغل.»

«وبعدين؟»

«قالتلي إنها كانت عارفة إنك مشغول، وإنها مش هتزعجك تاني. وبعدها قفلت.»

حطيت إيدي على وشي.

مريم كانت عارفة.

كانت عارفة إني مشغول بعيد عنها، ومع ذلك طلبتني مرة واحدة بس.

مرة واحدة.

وأنا حتى المرة دي مخترتش أرد.

سألته:

«طب ليه مقولتش لي إني لازم أرجع؟»

رفع عينيه وقال:

«اتصلت بحضرتك الساعة حداشر وخمسة وأربعين، وقلتلك إن الأستاذة مريم دخلت في ولادة مبكرة. حضرتك قلتلي إنك هتتحرك، وبعدها اتصلت بيا وقلتلي أأجل كل المواعيد لحد الصبح.»

افتكرت المكالمة.

افتكرت إني كنت واقف قدام باب الفندق، وجاكيتي في إيدي، وداليا بتعيط وبتقول إن لو خرجت دلوقتي مش هتشوفني تاني.

كنت قادر أخرج.

كنت قادر أركب أول عربية وأوصل للمطار.

كنت قادر أعمل أي حاجة.

لكنني فضلت.

قلت لحازم:

«هاتلي كل التفاصيل.»

هز راسه وقال:

«فيه حاجة كمان يا باشا.»

«إيه؟»

«يوم ما الأستاذة مريم دخلت المستشفى، طلبت مني أجيب لها شنطة صغيرة كانت في بيت حضرتك. ولما وصلت، لقيتها مجهزة شنطة تانية من قبلها بأيام، فيها أوراقها الشخصية، وأوراق متابعة الحمل، ونسخة من عقد الشقة اللي كانت بتجهزها للبنت.»

رفعت رأسي فجأة.

«شقة إيه؟»

«شقة صغيرة في مدينة نصر، كانت حضرتك شاريها من سنين وسايبها مقفولة. الأستاذة مريم كانت بتجهزها عشان تبقى قريبة من المستشفى اللي كانت بتتابع فيه.»

أنا كنت ناسي الشقة دي أصلًا.

لكن مريم كانت فاكرة.

كانت بتجهز مكان لبنتنا، وأنا كنت بجهز هدية لواحدة تانية.

سألته:

«هي كانت مخططة تسيبني من إمتى؟»

حازم مردش.

بصيتله بحدة.

«بتكلمك!»

قال بعد تردد:

«من ست شهور تقريبًا، لما عرفت بالعلاقة.»

حسيت إن نفسي اتسحب مني.

ست شهور.

ست شهور كانت بتصحى جنبي، وتحضرلي القهوة، وتسألني إذا كنت أكلت، وتطمن عليا لما أتأخر، وفي نفس الوقت كانت بتتعلم إزاي تعيش من غيري.

مش لأنها مش بتحبني.

لكن لأنها كانت بتستعد للحظة اللي هتكتشف فيها إنها مش قادرة تستنى أكتر.

وفجأة افتكرت آخر ليلة قبل سفري.

كانت قاعدة على طرف السرير، وحاطة إيديها على بطنها، وقالتلي:

«يوسف، لو حصل أي حاجة، متخلينيش لوحدي.»

وقتها مسحت على شعرها وقلت:

«إنتِ بتقولي إيه بس؟ أنا معاكي.»

كنت بكذب عليها، حتى لو مكنتش معترف لنفسي بده.

بصيت لحازم وقلت:

«جهز العربية.»

سألني:

«على فين يا باشا؟»

«على مكتب شريف.»

وصلت مكتب المحامي بعد ساعة.

دخلت من غير ما أستنى السكرتيرة تعلن عني، لكن شريف قام من مكانه، وأشارلي إني أقعد.

كان راجل في أواخر الخمسينات، هادي، وبيتكلم بميزان، ومش من النوع اللي ممكن يتوتر من صوتي العالي.

حط قدامي ملف كبير.

قال:

«دي نسخة من الأوراق اللي مريم وافقت إني أطلعك عليها.»

فتحت الملف بسرعة.

لقيت طلبات قانونية متعلقة بإثبات النفقة، وتنظيم التواصل مع الطفلة، وطلبات لحماية خصوصية الأم والطفلة، وكل ورقة عليها توقيع مريم.

لكن اللي شد انتباهي كان خطاب مكتوب بخط إيديها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى