
— يا حبيبي، ألف سلامة عليها، ربنا يديها الصحة. بس يا ريت تطمنها يا جوزي، حرام تتبهدل كده، ولو تعبانة قوي للدرجة دي، ما تجيبها تقعد معانا كام يوم في البيت هنا ونخدمها بعنينا!
وشه اتغير في ثانية، واللون خطف منه، وبصلي برعب وعينيه بتتحرك بسرعة:
— تقعد.. تقعد فين؟! لا يا حبيبتي، تقعد فين بس، هي مرتاحة في شقتها، وبعدين إنتِ وراكِ عيال ومسؤوليات وهي بتحب استقلالها!
ضحكت جوه قلبي على منظره وهو بيلعثم في الكلام، وكملت:
— لا يا راجل، ده أنا حتى كنت ناوية أفاجئك، وبصراحة كده… أنا كلمت خالتي كوثر وناس تانية من قرايبنا، وعملت لهم دعوة عشاء لطيفة جداً بكرة بليل هنا في البيت، علشان يجوا يطمنوا على «ماما» بنفسهم، وكمان نتعرف عليها أكتر ونقعد معاها سهرة عائلية دافية!
جوزي كاد يقفز من مكان من الخضة، مسك كوباية المية وإيديه كانت بترجف لدرجة إن الكوباية خبطت في السنان، وقال بصوت متهدج:
— ع… عشاء مين؟! وقرايب مين؟! إنتِ مجنونة يا ست إنتِ؟! أمي راحة بالها في بيتها، ومبتحبش اللمة الكتير وخالتي كوثر دي بالذات لسانها متوضي! لا، بلاش الليلة دي خالص، أنا هعتذر لهم!
بصيت له بثبات وجمود وقريت الخوف المرعوب في عينيه، وقلتله:
— تعتذر لمين يا حبيبي؟ دي خالتي هي اللي عزمت الناس بنفسها، والضيوف زمانهم على وصول!
قبل ما يلحق يرد أو يستوعب الكلمة، جرس باب الشقة رن رنة طويلة وقوية!
بصلي وعينيه جاحظة من الرعب، كأنه سمع صوت عزرائيل، وجسمه كله اتجمد مكانه، وهو مش عارف يعمل إيه ولا يروح فين، والتليفون في جيبه حس كأنه قنبلة موقوتة!
قمت من مكاني بهدوء أعصاب غريب، وابتسمتله ببرود وأنا بقول:
— استنى يا جوزي، أنا بنفسي هروح أفتح لضيوفنا… وخصوصاً للضيفة العزيزة اللي مستنيينها!
## الجزء الثالث
خطوت ناحية باب الشقة ورجلي ثابتة وثقيلة في نفس الوقت، وقلبي بينبض بقوة من حلاوة الانتصار والتشويق اللي كنت عايشاه. فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي جوزي عمره ما كان يتخيلها ولا حتى في أسوأ كوابيسه!
مش بس خالتي كوثر هي اللي كانت واقفة على الباب، دي كانت ومعاها شخصين تانيين من أهلي، ووراهم مباشرة… كانت واقفة «ماما» شخصياً!
أيوة، الست الشابة اللي مسجل رقمها على تليفونه باسم «ماما»، والتي كانت لابسة عباية شيك بس مبهدلة شوية من التوتر، وشعرها مصحوب لورا، وشكلها كان تايه ومصدومة لأنها لقيت نفسها في وسط عيلة كاملة قدام باب شقة عشيقها المتجوز!
خالتي كوثر بصتلي برمشة عين فيها كل المعاني، وقالت بصوتها القوي اللي ملاء المدخل:
— السلام عليكم يا ولاد… سامحينا يا بنتي جينا من غير ميعاد سابق، بس أصلنا واحشتنا «الحاجة ماما» دي بالذات، وقلنا نيجي نسلم عليها بنفسنا ونعرفها بنفسنا كمان، مادام هي لازقة في جوزك طول الليل والنهار كده!
الكلمات نزلت على جوزي زي الصاعقة وهو واقف مسمّر جنب ترابيزة الصالون. لفتّ وشي ليه، ولقيت لونه أصفر تماماً، وعينيه طايرة ومش عارف ينطق حرف واحد، كأن لسانه اتقطع.
— أ… أهلاً… أهلاً يا خالتي! إنتِ جيتي إزاي؟ وقصدك مين؟!
حاول يتكلم بصوت مرتعش ومش مضبوط، وضحك ضحكة صفراء باهتة وهو بيبلع ريقه بصعوبة بالغة.
خالتي كوثر ما استنتش عليه، ودخلت جوه الشقة بخطوات واسعة ووراها الضيوف، وبكل برود وقفت قدام الباب المفتوح وسحبت الست اللي اسمها «ماما» من إيديها ودخلتها جوه الصالون غصب عنها!
— قصدي الست الوالدة يا عريس غفلة! مش دي «ماما» برضه اللي بتقعد تكلمها بالساعات في نص الليل وتدخل تتخابص في الأوض عشان تسمعها كويس؟ أومال مالك اتخضيت كده أول ما شوفتها؟ هو انت مكنتش متوقع إنك هتشوف «ماما» وجهاً لوجه بالسرعة دي؟!
الست اللي كانت فاكرة نفسها ذكية وماسكة اللعبة من أطرافها، بصّت لجوزي بنظرة كلها رعب وغضب، وقالت بصوت واطي ومنهار:
— هو إيه اللي بيحصل هنا؟! إنتَ قلت لي إن مرتك دي ست غبية ومش هتحس بحاجة أبداً! وإنتَ اللي جبتني هنا ليه بالشكل ده؟!
الجزء الأخير ده كان القاضية اللي هدمت كل حاجة بناها! جوزي بص لها بعينين بتطلع شرار من الفضيحة والكارثة اللي وقعت على دماغه، وصرخ فيها:
— اخرسي خالص! إنتِ جيتي هنا ليه أصلاً؟! مين قالك تيجي هنا؟!
دخلت أنا وسطهم بكل هدوء وثبات، وشربت من كويسة القهوة اللي كانت على الترابيزة، وقعدت على الكنبة بكل ثقة وأنا باصاله وعينيه في عينيه، وقلت بصوت هادئ جداً مرعب:
— عيب يا جوزي، تغلط في «ماما» قدامنا كده؟ دي الست اللي قلبك متشعلل بيها ليل نهار! دي اللي بتلبس لك الأحمر عشان تحبها، واللي بتسيب بيتك ومرتك وعيالك وتبعت الرسايل في نص الليل تقولها “كلمني أول ما مراتك تنام”!
أول ما سمع الجملة دي، حس إن الأرض بتميد بيه، وبص لي وعينيه جاحظة للآخر، ولقى نفسه متكشف تماماً قدام خالتي وأهلي، ومبقاش عنده أي حجة يدافع بيها عن نفسه. الكدبة اللي استمرت شهور اتهدمت في ثواني معدودة، وبان على حقيقته قدام الكل.
خالتي كوثر وقفت قدامه ورفعت صباعها في وشه وقالت بحسم وقوة:
— ستاشر سنة يا حيوان صابرة عليك ومستحملاك وفاتحة بيتك، وتيجي في الآخر تخون العشرة وتلعب اللعبة الوسخة دي وتستغفل بنت الأصول اللي مصوناك في بيتك ومع عيالك؟! الشقة دي ملكها هي وعيالها، واسمك اللي محطوط في الوثيقة دي ترفعه وتطلع براها حالاً، لأن الليلة دي هي آخر ليلة ليك في البيت ده!
العيال صحوا على صوت الزعيق، وبنتنا الكبيرة وقفت على باب الأوضة وهي مرعوبة وبتعيط، ومش فاهمة إيه اللي بيحصل، فجريت عليها وخدتها في حضني بحنان، وبصيت لجوزي نظرة أخيرة مفيهاش أي نقطة ضعف ولا انكسار، نظرة ست قدرت تسترده بحيلتها وتكشفه على أصله من غير ما تنزل دمعة واحدة!
جوزي وقع على ركبتيه قدامي وهو بيحاول يمسك طرف عبايتي عشان يترجاني، بس أنا بعدت عنه بكل اشمئزاز وشموخ، وقولت بصوت قوي هز أركان الشقة:
— اللعبة خلصت يا جوزي… وشكراً إنك وفرت عليا تعب التفكير في طريقة أخلص بيها منك!




