قصص وروايات

جارنا كان بيكرهني حكايات اسما 2

صعدت برفقة الأستاذ رؤوف إلى طابق البيت العلوي، حيث استقبلنا الهواء النقي وضوء النهار الذي كان يبدد عتمة الماضي. كانت سيارات الأمن تملأ الشارع، والجيران يطلون من شرفاتهم ونوافذهم في حالة من الدهشة والذهول وهم يتابعون توقيف حازم وأقاربه. التفتت إليّ إحدى الجارات القديرات التي طالما شاركتني شكاوي ومشاكسات الحاج سليم، وقالت بصوت مسموع وممزوج بالتعجب:

— يا ستر يارب! إيه اللي بيحصل هنا يا مدام ليلى؟ وليه جهات الأمن ماسكة على ولاد عم الحاج سليم؟!

ابتسمت بابتسامة خفيفة، ولم أجبها بالتفاصيل، بل قلت بهدوء:

— الحق ظهر يا حاجة… وربنا أراد إنصاف المظلومين.

في الأيام التالية، تحولت القضية إلى حديث الشارع والرأي العام. بفضل الوثائق الدامغة والدفتر القديم واعترافات الحاج سليم الموثقة التي سلمناها للجهات القضائية، فتحت النيابة تحقيقاً شاملاً موسعاً في ملابسات اختفاء أبي قبل سبعة وثلاثين عاماً. وأثبتت التحقيقات الرسمية والطب الشرعي تطابق الأدلة، وتورط شبكة من المنتفعين ورجال الأعمال الفاسدين الذين استخدموا الضغط والنفوذ لطمس الحقيقة طوال تلك السنين.

أما البيت والأرض وجميع الممتلكات والحسابات البنكية التي أوصى بها الحاج سليم، فقد آلت إليّ رسمياً بحكم قضائي نهائي، ودون أي اعتراض قانوني، بعد أن سقطت كل مطالبات قريبه المخادع في الماء أمام قوة المستندات وثبوت تورطهم.

لكن الميراث المادي لم يكن هو الثمن الحقيقي الذي عاد إليّ؛ بل كان استرداد كرامة أبي، وعودة سيرته العطرة بين الناس، وإزالة غبار الظلم الذي لطخ تاريخ عائلتي طويلاً.

في ليلة هادئة، بعد أن هدأت العاصفة تماماً، جلست وحدي في الجنينة الصغيرة التي طالما تشاجرت فيها مع الحاج سليم بسبب الزرع والشجر. نظرت إلى السماء الصافية المليئة بالنجوم، وتذكرت ملامحه الخشنة وخصوماته اليومية المفتعلة، فدرت عيناي بدموع الامتنان، وهمست في سرّي:

— شكراً يا حاج سليم… رغم قسوتك وطريقتك الصعبة، كنت أنت الجدار الوحيد الذي حما الحقيقة حتى آخر أيام عمرك.

فتحت دفتر أبي القديم، وقرأت كلماته الأخيرة التي خطها قبل رحيله، وشعرت أن روحه تطوف من حولي بسلام وطمأنينة أخيرة، وكأن العالم أخيرًا استعاد توازنه الحقيقي، وبدأت أنا صفحة جديدة تماماً في حياتي، صفحة خالية من الأسرار والخوف، ومليئة باليقين والعدل.

مرت أسابيع هادئة بعد تلك الليلة الفاصلة، وكأن العاصفة الضخمة التي ضربت حياتي لسنوات طويلة قد استوت وتركت وراءها سماءً صافية ونسمات باردة تحمل السلام لأول مرة.

التحقيقات الرسمية أُغلقت بعد اعترافات شركاء حازم المتورطين في القضية القديمة، وصدرت الأحكام القضائية التي أعادت الحق لأصحابه وبرّأت ساحة أبي تماماً أمام الجميع. أما منزل الحاج سليم، فقد تم دمجه رسميًا بملامحه القديمة ضمن أملاكي، وقررت ألا أهدمه أو أغير معالمه، بل أتركه شاهداً صامتاً على قصة كفاح طويلة وحقيقة ظهرت بعد سنوات مريرة.

في أحد الصباحات المشمسة، كنت أقف في الجنينة الصغيرة أمام بيتي، أعتني بشتلات الورد التي زرعتها بنفسي دون أن يجرؤ أحد على مساسها أو تخريبها. تذكرت كيف كان الحاج سليم يظهر لي كل صباح بوجهه العابس وشكاوي المستمرة، فابتسمت وحدي وأنا أدرك أن خلف كل قسوة ظاهرية، أحياناً تختبئ أقدار عجيبة لخدمة الحق.

بينما كنت منغمسة في تنظيم الورد، سمعت صوت طرقات خفيفة ومترددة على البوابة الحديدية الصغيرة للبيت.

رفعت رأسي ونظرت نحو البوابة، فوجدت امرأة خمسينية تقف بملامح يكسوها التردد والخجل، وترتدي ملابس بسيطة. لم تكن ملامحها غريبة تماماً، لكنها بدت مألوفة كأنني رأيتها في صور قديمة أو في ذاكرتي البعيدة.

مسحت يدي الملتصقتين بالتراب، وخطوت نحو البوابة ببطء وأنا أقول:

— أهلاً يا فندم، إزيك؟ تؤمري بحاجة؟

نظرت إليّ المرأة بعينين تملؤهما الدموع، وقالت بصوت متهدج بالكاد يخرج:

— أنا… أنا ابنة عمة الحاج سليم… أو بالأحرى، الشخص الوحيد اللي كان بيكره طمع حازم وباقي العيلة. جيت لسبب واحد يا ليلى… جيت أعتذرلك نيابة عن العيلة كلها، وأسلمك أمانة سابها المرحوم معايا قبل ما يرحل بأسبوعين بس، وطلب مني ما أسلمهاش لكِ غير لما تهدأ الأمور تماماً وتبدأي حياتك الجديدة.

فوجئت بما سمعته، واتسعت عيناها بفضول حذر، وقلت:

— أمانة؟! أمانة إيه من الحاج سليم؟

مدت المرأة يدها بحقيبة قماشية صغيرة وقديمة، وقالت وهي تسلمها لي:

— تعالي اقعدي معايا ثواني، واللي جوه الحقيبة دي هيقفل الحلقة الأخيرة من الحكاية، ويعرفك السر الأخير اللي خلى الحاج سليم يعيش طول عمره كرهه ظاهر وحمايته الخفية ليكي!

فتحت البوابة على مصراعيها، ودخلت بها إلى الصالة بهدوء، وقلبي يدق بفضول جديد… فماذا تخفي هذه الحقيبة يا ترى؟ وهل هناك أسرار أخرى لم ترو بعد؟

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى