روايات وقصص

حكايات امانى 1

غزل اتضايقت وقالتلي: ـ يعني إيه يا محمود؟ دي أمي، وأنا حامل ومحتاجة وجودها جنبي، مش هطلب منك حاجة مستحيلة.
ـ يا حبيبتي أنا مقدر ده، بس اصبري شوية لحد ما حالتها تتحسن.
قفلت مع غزل، واتصلت بفاتن أحاول أشوف معاها حل، لكنها ماردتش، ولما رحت البيت في آخر اليوم، لقيت الأولاد قاعدين في الصالة، والبيت هادي بشكل غريب.
ناديت: ـ يا فاتن! إنتي فين؟
محدش رد.
دخلت أوضة حماتي، لقيتها نايمة، وعلى الكومود ورقة مكتوب فيها مواعيد الدوا، وتحتها ورقة تانية فيها شوية تعليمات عن الأكل والرعاية.
استغربت، وخرجت أدور على فاتن، لكن ملقتهاش في المطبخ ولا أوضتها، ولما دخلت أوضة النوم، اتصدمت لما لقيت دولابها فاضي تقريبًا، وشنطتها مش موجودة.
جريت على أوضة الولاد، لقيت هدومهم متجمعة في شنط، وكل واحد فيهم قاعد ساكت، ولما سألت ابني الكبير: ـ إيه اللي بيحصل هنا؟ مامتك فين؟
بصلي بحزن وقال: ـ ماما مشيت يا بابا.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي، وسألته بعصبية: ـ مشيت راحت فين؟ وإزاي تسيب البيت من غير ما تقولي؟
ابني مد إيده وناولني جواب كان محطوط على السرير، وقال: ـ قالتلي أديهولك أول ما تيجي.
فتحت الجواب وإيدي بتترعش، ولقيت خط فاتن اللي أعرفه كويس، لكن الكلام اللي مكتوب جواه كان كأنه طالع من واحدة تانية، واحدة استحملت كتير لحد ما خلاص مبقاش عندها حاجة تستحملها عشاني.
“محمود،
أنا مشيت، ومش عايزاك تدور عليا، ولا تحاول ترجعني بكلمتين حلوين زي كل مرة.
أنا وافقت أستقبل أم غزل، وكنت عارفة إن ده مش واجبي، لكن قولت أعمل اللي يرضي ربنا، وأساعد ست مريضة مالهاش ذنب في مشاكلنا.
عملت لها كل اللي أقدر عليه، واعتبرتها زي أمي، ومش ندمانة على ده، لكن اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت في أم غزل، المشكلة فيك إنت.
إنت مش شايف غير غزل واحتياجاتها، ومش شايف إن ليك بيت تاني، وولاد مستنيين منك تسأل عليهم، ومرات عاشت سنين بتحاول تعوضهم عن غيابك، لحد ما نسيت إنها هي كمان من حقها تلاقي حد يسأل عليها ويشيل عنها.
إنت كل مرة بتحطني قدام الأمر الواقع، وتستنى مني أوافق، لأنك متأكد إني عمري ما هخذل ولادك، وكنت بتستغل حبي ليهم علشان تريح نفسك من مسؤولياتك.
علشان كده، أنا جمعتلك كل حاجة هتحتاجها علشان تعرف تخدم أم غزل بنفسك.
مواعيد دواها مكتوبة جنب سريرها، وطريقة أكلها وكل احتياجاتها هتلاقيها في الورقة اللي جنب الأدوية، وهدومها نضيفة ومحطوطة في الدولاب، وكل حاجة تخصها جاهزة.
وفوقيهم ولادك يا محمود.
دول محتاجين حد يصحّيهم للمدرسة، ويجهزلهم الفطار، ويتابع مذاكرتهم، ويسألهم يومهم كان عامل إزاي، ويحضنهم لما يزعلوا.
دول مش محتاجين فلوس وبس، دول محتاجين أب، وأنا مش هقدر أفضل أعوضهم عنك طول العمر.
أنا مشيت علشان تعبت من إني أكون الزوجة اللي بتشيل كل حاجة، وتتنازل عن كل حاجة، وفي الآخر محدش بيفتكر إنها بني آدمة وليها طاقة وليها قلب.
من النهارده، شيل مسؤوليتك بنفسك، واعرف إن الست اللي كنت ضامن إنها هتفضل مستحملاك مهما عملت، وصلت لمرحلة إنها اختارت نفسها.
فاتن.”
خلصت قراءة الجواب، وفضلت واقف مكاني مش قادر أستوعب.
بصيت حواليا، على البيت اللي كان دايمًا مرتب، وعلى شنط الولاد، وعلى أوضة حماتي اللي محتاجة رعاية، وحسيت لأول مرة إن كل حاجة كنت برميها على فاتن رجعت فوق دماغي مرة واحدة.
وفجأة، ابني الصغير قرب مني وشدني من هدومي وقال بصوت مكسور:
ـ بابا, هو ماما مش هترجع تاني؟ أصل أنا وعدتها إني مش هعيط، بس أنا عايزها.
بصيتله، وحاولت أتكلم، لكن لساني اتعقد.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
كانت غزل.
رديت عليها بصوت مخنوق، فقالتلي: ـ محمود، إنت فين؟ أنا محتاجة ماما، ومش عارفة أوصل لها، تليفونها مقفول! ايه رايك اجى اقعد معاكم
بصيت للجواب اللي في إيدي، وبعدين بصيت لابني اللي واقف مستني مني إجابة، وأدركت إن فاتن ما سابتليش أم غزل وبس، دي سابتلي كل المسؤوليات اللي كنت بهرب منها، وخلتني لأول مرة أواجه نتيجة اختياراتي بنفسي.
ولأول مرة من سنين، ماكنتش عارف أروح لمين، ولا أطلب من مين ينقذني من الورطة اللي أنا حطيت نفسي فيها.
لأن فاتن، المرة دي، ما سابتش البيت علشان تعاقبني… سابته علشان خلاص مبقاش عندها استعداد تضحي بنفسها عشاني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى