روايات وقصص

حكايات اسما 1

ركبت العربية مع سارة اللي كانت مفروسة وعمالة تتكلم وتلوم في أحمد ومنة، وأنا حاطة إيدي على قلبي، وبصيت للسماء وقلت بصوت متهدج، طالع من أعماق قلب مكسور:

— يارب… أنا ما كنتش بظلمها ولا بكرهها، أنا كنت بنصحها… يارب إن كنت مظلومة وخاطري انكسر، ورّيني قدرتك فيها وفي بنيانها اللي اتهد قبل ما يبدأ، ووريها جزاء قليلة الأصل وجحودها!

عدا أسبوع كامل.. أسبوع وأنا قاعدة في بيتي لا بكلم أحمد ولا بسأل عنه، رغم إن قلبي كان بياكلني عليه. سارة كانت بتروح وتيجي وتطمني من بعيد، إن الدنيا مولعة نار عندهم.

بعد الأسبوع ده بالتحديد، وفي نص الليل، تليفون البيت رن رنين طويل ومقلق. فتحت الخط، وكان صوت أحمد مرعوب، صوته مخلوع من مكانه وبيعرق:

— الحقيني يا ماما… الحقيني والنبي يا ماما منة بتموت!

قلبي وقف في صدري، ونسيت كل زعلي وكل الكلمات اللي جرحتني. لبست أسرع ما يمكن، وخليت سارة تسوق بينا ووصلنا شقة أحمد في وقت قيصري.

لقيت باب الشقة مفتوح على مصراعيه، وجيران كتير متجمعين على السلالم، ودخلت أجري. المنظر جوه كان رعب حقيقي؛ المطبخ كان مقلوب، وريحة غريبة نفاذة ووحشة مالية الشقة كلها، ومنة قاعدة على أرضية المطبخ، وشها أصفر زي الليمون، شفايفها زرقا، وبتترعش رعشة الموت، وبتكح كحة ناشفة ممزوجة بدم!

أحمد كان قاعد جنبها ماسك راسها وبيعيط زي العيال الصغيرين:

— الاسعاف اتصلت بيها بس اتأخرت يا ماما… اعمل إيه؟!

قربت منها بسرعة، وبصيت حواليا، لقيت على الرخامة علب دليفري قديمة مفتوحة، وفوقها كيس أسود كبير متقطع، وريحة الدواء الفاسد أو الأكل المعفن مالي المكان. بصيت لـ منة وهي بتشاور بصوت ميت وتقول بخوف:

— بطني… بموت يا ماما… الحقيني!

غمضت عيني لحظة، تذكرت دعائي، بس فجأة غلبني طبع الأمومة والرحمة. صرخت في أحمد:

— واقف بتعيط إيه! شيلها معايا بسرعة على العربية، دي تسمم حاد! مش سألتوا في الأكل ولا عملتوه، جبتم أكل بايت ومركون منين تانى؟!

شيلناها ونزلنا زي المخابيل على المستشفى. في طوارئ المستشفى، الدكتور جري بينا على غرفة الاستقبال، وعملوا لها غسيل معدة فوري، وتركب لها محاليل وأجهزة مراقبة.

بعد ساعتين وقف الدكتور قدامنا، وبص لأحمد وقال بجدية شديدة:

— إنتوا لحقتوها في ثانية إلا عشرة! الأكل اللي كانت كلاه كان جواه بكتيريا قاتلة وتسمم غذائي متقدم نتيجة إن الأكل ده كان فضلات مطعم مركونة في جو سيء ومنسي ومنتهي الصلاحية لفترة، ومجرد إنها سخنته وكلته من غير ما تلاحظ، أكل أحشائها.

أحمد بصلي، وعيونه مليانة رعب وندم، ودموعه نازلة على خدوده. مسك إيدي وقبلها وهو بيترعش وقال:

— ادعي لها تققوم بالسلامة يا ماما… أنا ضعت لو منة جرا لها حاجة.

قعدت على الكرسي قدام غرفة العناية، وبصيت للأرض وبهدوء قاتل قلت له:

— ما تخافش يا أحمد… عمر الشقي بقي… بس يمكن القلم ده، يصحّيها ويصحّيك معاها، وتفهموا إن البيت مش شقة فخمة ولا دليفري… البيت حياة وأمان، وروح بتصونه، مش عيال بتلعب لعبة الجواز.

بعد يومين، منة خرجت من المستشفى وهي تانية، ضعيفة ومش قادرة تفتح عيونها. أول ما دخلت الشقة، بصت للفريزر المقفول، وبصتلي أنا وهي قاعدة على الكنبة، ولأول مرة، نزلت دموع حقيقية من عينها، مش دموع الدلع، دي دموع الكسر والاعتراف.

مدت إيدها الضعيفة وقالت بصوت مكسور:

— سامحيني يا ماما… أنا كنت عمياء… وفعلا مكنش ينفع أسمع كلام شيطانى ولا أعاندك.. البيت اتخرب فثانية..

قربت منها، وقعدت جنبها، ومسحت دموعها بإيدي، وبصيت لأحمد اللي كان واقف باصص للأرض بندم، وقلت:

— سامحتك يا بنتي… وعوض ربنا كبير، بس افتكري دايماً، إن مركب العيلة مش بيمشي بالدلع ولا بأبلكيشن الطلبات، بيمشي بالستر والتعب وسواعد الأصول.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى